قانون المصالحة المالية في تونس يثير جدلا سياسيا بين متحمس ورافض

الثلاثاء 2015/08/25
الشارع السياسي والحقوقي في تونس ينقسم بين متقبل للقانون وداعم له وبين رافض للفكرة تماما

تونس- الظروف الاقتصادية الصعبة والقلق الاجتماعي المنتشر بين التونسيين جراء الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ يناير 2011 تدفعان بالدولة التونسية في كل المناسبات إلى تحويل أي ظرف أو قانون أو وضعية سياسية في صالح الربح الاقتصادي الأقصى سعيا منها إلى التقليل من حجم الأضرار. وفي هذه المرة، اقترحت القوى السياسية الكبرى في البلاد مشروع قانون للمصالحة مع رجال الأعمال الذين عملوا تحت لواء النظام السابق مباشرة وتتعلق بهم تهم في اختلاس المال العام، وهي مصالحة يمكن أن تحدث إذا حقق هؤلاء شرط إعادة الأموال إلى الدولة وإعطاء مبالغ مالية معينة لصالح مشاريع عامة كالمدارس والمستشفيات والمنشآت العمومية وأيضا انتداب مواطنين للعمل.

ولئن كانت المعادلة بهذا الشكل تظهر بسيطة وفق الشروط التي فرضتها الدولة، إلا أن الشارع السياسي والحقوقي في البلاد انقسم بين متقبل للقانون وداعم له بتعلة الاستفادة من الأموال المنهوبة بإعادتها إلى الدولة، وبين رافض تماما لفكرة المصالحة خارج أطر العدالة الانتقالية والقضاء خاصة أن الموضوع يتعلق ببناء انتقال ديمقراطي متين وجدي. فقد أكد النائب عن الجبهة الشعبية اليسارية منجي الرحوي أن “قانون المصالحة الذي اقترحه رئيس الجمهورية ليس دستوريا ولا يتطابق مع مبادئ الثورة ويؤسس إلى عقلية الإفلات من العقاب” حسب رأيه، وفي المقابل، تدافع بشرى بالحاج حميدة النائبة عن حزب نداء تونس ذي الأغلبية عن القانون مؤكدة أن “الحل في إعادة الأموال المنهوبة وإقامة مشاريع ورفع طاقة التشغيل تكمن في هذا القانون”.

قانون غير دستوري وباب لعودة الفساد

منجي الرحوي: قانون المصالحة هو التفاف على مطالب الثورة وأهدافها ولا يمكن من خلاله النهوض بالاقتصاد ومواجهة الإرهاب

قال النائب في مجلس نواب الشعب التونسي منجي الرحوي إن الهدف من مشروع قانون المصالحة هو “الالتفاف على مطالب الثورة وأهدافها”. وأكّد في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنه “ليست هناك أي مساع حقيقية من الحكومة لمواجهة الإرهاب، بل سيتم اعتماد الإرهاب كوسيلة للضغط به على النواب وتمرير مشروع المصالحة”.

وأضاف النائب البرلماني والقيادي بالجبهة الشعبية (يسار) أن هذا القانون يقوم بالتستر على قائمة كبيرة من رجال الأعمال تضم 35 شخصا و 450 موظفا، “من بينهم أشخاص ساعدوا النهضة والنداء ومولوهما في الانتخابات”، حسب قوله، مشددا على أن المُصالحة الاقتصادية من مهام هيئة الحقيقة والكرامة.

وقد أشار منجي الرحوي إلى الضغط الذي تمارسه العديد من المنظمات على النواب في البرلمان التونسي، حيث يطالب عدد من مكونات المجتمع المدني و نشطاء حقوقيون مجلس نواب الشعب بعدم المصادقة على مشروع القانون الأساسي الخاص بالمصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي لما يمثله وفق تعبيرهم من “التفاف على مسار العدالة الانتقالية بكل أبعادها”.

وأكد أن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي اقترحه رئيس الجمهورية يؤسس للإفلات من العقاب وتواصل الفساد. وقال الرحوي “إن الدستور نص على التشريع المتعلق بالعدالة الانتقالية، وإن تقديم القانون هو سحب لاختصاص النظر في الفساد المالي والاعتداء على المال العام من هيئة الحقيقة والكرامة، وبالتالي فقانون المصالحة الاقتصادية هذا إجراء غير دستوري”.

وفي السياق، أشار الرحوي إلى ما جاء في وسائل الإعلام عن بدء تشكيل قوة برلمانية لمنع مرور القانون، فقد أعلن عدد من نواب المعارضة بتونس عن تشكيل مجموعة برلمانية تضم 5 أحزاب سياسية، ستعمل على مبادرة من أجل سحب قانون المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال، الذي أحاله رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي مؤخرا إلى مجلس النواب لمناقشته والمصادقة عليه.

وتضم المجموعة البرلمانية، 5 أحزاب هي، الجبهة الشعبية، والتيار الديمقراطي، وحركة الشعب، والحزب الجمهوري، وحزب صوت الفلاحين.

وقال منجي الرحوي “إن هذه المجموعة ستقف ضد قانون المصالحة الاقتصادية أو بالأحرى قانون المغالطة الوطنية”. وألمح النائب إلى عدم وجود ضرورة لهذا القانون الجديد في ظل وجود قانون العدالة الانتقالية “الذي يشمل في إطاره كل مسار المساءلة، والمحاسبة، والمصالحة”. وتابع الرحوي “نعلن رفضنا لهذا القانون المهزلة، الذي يتنكر لأهداف الثورة، وإلى المسار الديمقراطي للعدالة الانتقالية”.

وفي تحليله للدافع الذي يقف وراء اقتراح قانون من هذا النوع، أكد الرحوي أن قانون المصالحة قد بني على مؤشرات تؤكد أن حركة النهضة ونداء تونس أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم قدما وعودا لرجال أعمال كانوا من أبرز الممولين لهذين الحزبين بمبالغ مالية هامة خلال الحملتين الانتخابيتين التشريعية والرئاسية “وبالتالي إن هذا القانون هو بمثابة مكافأة لرجال أعمال تورطوا بقضايا فساد وساعدوا النهضة والنداء للوصول إلى سدة الحكم وآن الآوان لأن يردا الجميل”.

واعتبر أن قانون المصالحة بمثابة “أكبر عملية سرقة واحتيال على الشعب التونسي، وفيه ضرب للاقتصاد التونسي ولقيمة العدالة وتهديد لآخر الديمقراطيات الناشئة في بلدان الثورات العربية مع دخول المال السياسي الفاسد على الخط”. وشدد الرحوي على أن هذا القانون سيغلق باب “المتابعة لكل جرائم الفساد".

قانون في صالح الدولة والاقتصاد الوطني

بشرى بالحاج حميدة: قانون المصالحة يسعى إلى الضغط على رجال الأعمال الفاسدين لإعادة الأموال الموجودة بذمتهم وهذا في حد ذاته يعد عقوبة لهم

إن المشروع يرمي إلى المصالحة في المجالين الاقتصادي والمالي لتحسين أداء العدالة الانتقالية في مجال الانتهاكات في الاعتداء على المال العام، وتلافي طول أمد معالجة الانتهاكات على الاقتصاد الوطني، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة والإدارة والتشجيع على الاستثمار وتعبئة موارد الدولة من العملة الصعبة”. هذا ما صرحت به النائبة عن حزب نداء تونس بشرى بالحاج حميدة في تصريحاتها لوسائل إعلام حول قانون المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال الأعمال المتهمين بالفساد قبل وبعد أحداث يناير 2011. وترى النائبة في مجلس الشعب بشرى بلحاج حميدة أنه “من غير الممكن ولا المعقول الاستمرار في المحاسبة والمساءلة مع وجود أشخاص من نظام بن علي لا زالوا موقوفين في السجن دون توجيه أي تهم لهم، وآخرين ممنوعين من السفر في ظل حاجة الدولة لهم على المستوى الاقتصادي”. وتضيف قائلة إنه “من غير المعقول أيضا أن يتحمل بعض رجال الأعمال ووزراء سابقين في عهد بن علي وزر منظومة كاملة من الفساد كانت قائمة”.

وشددت على أن قانون المصالحة يسعى إلى الضغط على هؤلاء لإعادة الأموال الموجودة بذمتهم و”هذا في حد ذاته يعد عقوبة لهم” على حد تعبيرها. واعتبرت بلحاج حميدة أن رجال الأعمال الذين ستشملهم المصالحة تعرضوا طوال الأربع سنوات الماضية إلى عمليات ابتزاز متكررة مما يجعل المضي في المصالحة هو الحل الأمثل للجميع.

وحول قرار المعارضة النزول للشارع رفضا لهذا القانون، خاصة وأن جملة من التكتلات والأحزاب تقوم بالتجمع حول الرفض داخل البرلمان، اعتبرت النائبة عن نداء تونس أن هناك قانونا في البلاد ينظم التظاهر واستطردت “نحن مع ذلك نوجه دعوة لهم للجلوس على طاولة الحوار حتى تكون مصالحة شاملة وتشمل كل أطياف الوطن”.

يذكر أن الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية عرض مشروع قانون المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي لدى إشرافه على اجتماع مجلس الوزراء يوم 14 يوليو المنصرم ويضم هذا المشروع 12 فصلا ويقترح إحداث لجنة صلح تتعهد بالنظر في المطالب التي يتقدم بها المعنيون بمسألة المصالحة ومن المنتظر أن ينظر مجلس نواب الشعب في مشروع هذا القرار مع بداية شهر سبتمبر.

وتقول النائبة بالحاج حميدة إن المصالحة الوطنية في معناها الأمثل تتم في إطار العدالة الانتقالية وهذا ما عمل به في كل التجارب المقارنة في ثورات العالم حسب قولها، “لكن اليوم وبعد مرور 4 سنوات فإن العديد من رجال الأعمال تمت محاسبتهم بالطرق القضائية وباستعمال الابتزاز وبتحجير السفر وإذا تواصل هذا الوضع ستنهار البلاد اقتصاديا”. وأوضحت بلحاج حميدة أن مشروع المصالحة الوطنية لن يشمل الذين ارتكبوا جرائم أو لديهم أملاك مصادرة.

وقالت النائبة عن حزب نداء تونس ذي الأغلبية البرلمانية أنه لا يجب أن يتم تغليب منطق التشفي حتى يحاسب الأشخاص مرتين ويتعرضون إلى معاملة غير عادلة “ولذلك يكمن الحل في مشروع المصالحة الوطنية الذي لن ينسف فكرة المساءلة وإنما سيكون في مصلحة البلاد عبر النهوض بالاقتصاد”.

كما تطرقت بشرى بلحاج حميدة إلى نقطة أخرى حيث قالت إن الدولة في هذا الظرف وفي حربها على الإرهاب سيساعدها مشروع المصالحة الوطنية على الحرب على هذه الآفة لأنه يدخل في إطار الوقاية من معضلة التطرف وكشف الشبكات التي تمول المجموعات والخلايا الإرهابية.

وقالت القيادية بحزب نداء تونس إن المصالحة مع رجال الأعمال تأتي في سياق “ذكاء سياسي من الدولة” وأضافت أن “العقاب بالسجن أمر لا معنى له عندما يتعلق الأمر بالأموال المنهوبة، فالكل يعرف أن النظام البنكي في العالم صعب ولا يمكن استرجاع أموال أحد من قبل أحد آخر، لذلك فكر الجميع في إعطاء الحرية لهؤلاء مقابل مشاريع اقتصادية وإعادة الأموال”. وتابعت بالحاج حميدة التفسير بالقول إنه على رجال الأعمال بشكل عام الآن البدء في منهج جديد في التعاطي مع أموالهم ومشاريعهم.

عدد من الحقوقيين يرون أن مشروع القانون الذي يناقش في مجلس النواب هو قانون إيجابي وسوف يكون حلا لعديد الإشكالات التي لن تجد مخارج إذا مرت عملية المحاسبة عبر القضاء

قانون المصالحة في تونس بين الحاجة الاقتصادية والمس من العدالة الانتقالية

تونس – يدور جدل كبير في الآونة الأخيرة على الساحة السياسية والحقوقية التونسية حول ما سمي بـ”قانون المصالحة الاقتصادية” الذي يدافع عنه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ومن ورائه القوة السياسية الأولى في البرلمان التونسي أي حزب نداء تونس. والملفت أن حزب حركة النهضة الإسلامي يسير بثبات في اتجاه قبول مشروع القانون الذي يسمح بعدم محاسبة رجال الأعمال المتعلقة في ذمتهم قضايا فساد أو الذين تعاملوا مع النظام السابق، ولكن في المقابل يدفعون أموالا لصالح مشاريع تقوم بها الدولة.

ويرى أنصار هذا القانون والمدافعون عنه أنه كفيل بمساعدة الاقتصاد التونسي على تجاوز حالة الركود التي تخنقه. فيما يرى معارضو القانون الذي ما زال مشروعا ولم يصادق عليه مجلس النواب بعد، أنه تشجيع ضمني لظاهرة الإفلات من العقاب وخطره كبير على البلاد والثورة ومسار العدالة الانتقالية. وفي هذا السياق، يرى عدد من النشطاء والمراقبين أن مشروع القانون هو “مكافأة لرؤوس الأموال التي مولت حملتي نداء تونس وحزب حركة النهضة الإسلامي” ويجب على السلطة الآن أن تعفو عن هؤلاء وفق الشروط المرسومة مسبقا، وذلك حسب ما صرح به النائب اليساري المستقل عدنان الحاجي.

ويتضمن مشروع القانون المشار إليه بنودا للمصالحة مع رجال الأعمال الذين تورطوا في اختلاس المال العام قبل الإطاحة بنظام بن علي شريطة قيامهم بجملة من الإجراءات منها إرجاع ما تم نهبه من المال العام، وهو ما ترفضه شريحة واسعة من المعارضة التونسية وحتى من أحزاب الائتلاف الحاكم التي ترى في هذا القانون “ضربا لمصداقيتها”.

ويرى عبدالرحمان المرساني الأستاذ والباحث في علم الاجتماع أن هذا القانون “خطير بكل المقاييس على السلم الأهلية” ويضيف قائلا في تصريح صحفي “جوابا عن السّؤال المركزي لماذا هذا القانون وفي هذا الوقت بالذات؟ فإن الإجابة لا يختلف حولها عاقلان، وهي أنه أتى كرد للجميل وجزاء لرجال الأعمال الذّين ساندوا الحزبين الكبيرين اللذّين يشكلان عماد الائتلاف الحاكم وهما حزب نداء تونس وحركة النهضة”، فالحملة الانتخابية السابقة كان عمادها تنافس هذين الحزبين على خطب ود رجال الأعمال وتمرير رسائل طمأنة في عدم محاسبتهم جبائيا وجزائيا لذا تم ترشح عدد من رجال الأعمال في كلا الحزبين.

وفي المقابل، يرى عدد من الحقوقيين أن مشروع القانون الذي يناقش في مجلس النواب هو قانون إيجابي وسوف يكون حلا لعديد الإشكالات التي لن تجد مخارج إذا مرت عملية المحاسبة عبر القضاء. ويقول الناشط الحقوقي باديس كوباكجي إن “هيئة الحقيقة والكرامة المسؤولة عن مثل هذه الإجراءات لا تحظى بثقة الشعب، فهي هيئة مغمورة وغامضة وشكلت على غفلة من الشعب التونسي”، الأمر الذي لا يترك لها المشروعية للبت في مواضيع خطيرة. “وبالتالي فإن اختيار السلطة الحالية لإجراء قانون للعفو وفق شروط يعتبر خيارا أكثر حكمة”.

12