قانون الموازنة الجزائرية يبدّد خطة الإنعاش الاقتصادي

تفاقم العجز في الموازنة يفتح باب التداين الخارجي أمام الحكومة الجزائرية.
السبت 2020/11/14
طبقات اجتماعية تدفع الثمن

عكس قانون الموازنة الجزائرية خيارات صعبة، حيث كشف المشروع عن اختلالات مالية بدّدت الآمال في إنعاش الاقتصاد نتيجة تحديات انهيار عائدات الطاقة وازدياد النفقات لمواجهة فايروس كورونا، ما يفتح المجال نحو فتح باب التداين الخارجي المحظور.

الجزائر - كشفت الموازنة الجزائرية عن عجز مالي غير مسبوق حيث تضمّنت اختلالات ومخاطر كبيرة على التوازنات الكبرى للبلاد، ما بدّد التفاؤل الذي حملته خطة الإنعاش الاقتصادي لتجاوز تداعيات أزمة أسعار النفط وجائحة كورونا، ما غذى الشكوك والتساؤلات حول اللجوء إلى الخيار المحظور والتداين من أجل تغطية الفجوة.

وينتظر أن يبلغ حجم العجز في الموازنة أكثر من 22 مليار دولار مع نهاية العام المقبل، وهو سقف يمثل أكثر من 13 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، حيث تذهب التوقعات إلى استهلاك قرابة 66 مليار دولار، مقابل مداخيل تفوق الـ43 مليار دولار، مما يوحي بأن جهود الحكومات المتعاقبة منذ العام 2014 الهادفة إلى عقلنة الإنفاق والاستهلاك لم تحقق الأهداف المنشودة.

ووجّه عبدالغني ويشر، النائب البرلماني عن حزب تجمع أمل الجزائر، انتقادات لاذعة للحكومة خلال جلسة مناقشة قانون الموازنة العامة للعام الجديد، وذلك على خلفية التضارب بين معطيات البرنامج الذي يجمع بين تحقيق نمو بـ4 في المئة، في حين يسجل الميزان التجاري عجزا غير مسبوق في تاريخ البلاد.

وذكر النائب في مداخلته أن القانون المذكور ينطوي على “مغالطات لا تعكس خطاب الجزائر الجديدة والتغيير، وفق التعهدات التي أطلقها الرئيس عبدالمجيد تبون خلال حملته الانتخابية في ما يتصل بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد”.

عبدالغني ويشر: قانون الموازنة يحمل مغالطات لا تعكس خطاب الجزائر الجديدة
عبدالغني ويشر: قانون الموازنة يحمل مغالطات لا تعكس خطاب الجزائر الجديدة

ولفت المتحدث إلى أن “طموح الحكومة لتحقيق نسبة النمو المذكورة غير عقلاني، وجاء مشروطا بتخطي أسعار النفط لسقف 45 دولارا للبرميل الواحد، وتوفير مناخ الاستثمار وهي عوامل غير متاحة في ظل تدخل مؤثرات خارجية على أسعار النفط، والضبابية التي تخيم على الأجواء الاقتصادية في البلاد.”

وتساءل النائب في سياق حملة يشنّها برلمانيون ضد عدد من وزراء الحكومة عن مدى قدرة وزير الصناعة فرحات آيت علي على تنقية المناخ المذكور، وهو الذي “سمّم وأغلق الأجواء على المستثمرين المحليين، فكيف يكون الأمر مع المستثمرين الأجانب؟.”

وانتقد بشدة مشروع الوثيقة، لاسيما في شقها المتعلق بالعجز غير المسبوق، ومستقبل الشأن الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، في ظل تقلص هامش المناورة لدى الحكومة، التي انحصرت بين طبع المزيد من المعروض النقدي، أو اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل سلة العملات الصعبة، والعودة مجددا إلى فرض المزيد من الرسوم والضرائب على المواطنين، والانسحاب التدريجي من التحويلات الاجتماعية للتكفل بالفئات الاجتماعية الهشة.

ويرى خبراء أن فتح باب التداين الخارجي أصبح خيارا من الخيارات الموضوعة على طاولة الحكومة نظرا لتقلص هوامش إدارة أزمة السيولة رغم أن ذلك يعد من المحظورات.

وسبق لمسؤولين جزائريين أن أكدوا في العديد من المناسبات أن بلادهم لن تلجأ إلى فتح نافذة الاقتراض رغم الصعوبات الاقتصادية لمواجهة أزمتها المالية الناجمة عن تلاشي إيرادات النفط وتبعات إجراءات الإغلاق.

وتأتي التأكيدات في محاولة لتبديد مخاوف الأوساط السياسية والاقتصادية الجزائرية، التي ترفض اللجوء إلى التداين خلال الوقت الحالي.

وتشير التقديرات إلى أن الدين الخارجي للبلد النفطي العضو في أوبك يبلغ نحو 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

واعترف وزير المالية أيمن عبدالرحمن خلال عرضه لمشروع قانون الموازنة الجديد بأنه “جاء في ظروف استثنائية تخللتها الأزمة النفطية وجائحة كورونا اللتان ألحقتا أضرارا بالغة بمداخيل الخزينة العمومية، وأدتا إلى انكماش غير مسبوق للوتيرة الاقتصادية”.

وذهب ويشر إلى القول إنه “لا ملاذ أمام الحكومة التي فشلت في تحقيق الحد الأدنى من التغيير، إلا باللجوء مجددا إلى رصيد النقد الأجنبي ليشهد المزيد من التآكل في المستقبل القريب، الأمر الذي سيرهن سيادة البلاد ومستقبلها”.

وفيما تضاربت الإحصائيات بشأن نسبة النمو السلبية خلال العامين الأخيرين (2019 و2020)، حيث قدرتها بعض الدوائر بناقص أكثر من 6 في المئة، في حين أشارت وثيقة قانون الموازنة إلى 4.6 في المئة، وتوقعت تحقيق نسبة نمو تقدر بـ4 في المئة خلال العام 2021، وهو الرقم الذي أثار استغراب عدد من النواب الذين تدخلوا لمناقشة القانون، بسبب ما أجمعوا عليه حول “أزمة أسعار النفط وجائحة كورونا، والتوقعات العالمية حول عدم تعافي الاقتصاد الدولي في المدى القريب”.

22

مليار دولار قيمة العجز في الموازنة وهي تمثل نحو 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

وأمام خلو مشروع القانون المذكور من رسوم أو ضرائب جديدة على المواطنين، إلا أن المؤشرات التي كشفت عنها في وقت سابق وزيرة العلاقات مع البرلمان بسمة عزوار، عن انسحاب تدريجي للحكومة من سياسية التحويلات الاجتماعية، ترشح بتحرير أسعار عدد من المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع كالسكر والزيت، الأمر الذي سيثقل كاهل المستهلك الجزائري المنهك أصلا بمسلسل تراجع القدرة الشرائية باستمرار.

ومازالت الجزائر تراهن على الثروات الباطنية لمواجهة حاجياتها الاقتصادية، على غرار النفط والغاز والمناجم، التي خصتها بأهمية قصوى في برنامج الإنعاش الاقتصادي الذي أطلقه عبدالمجيد تبون، خلال الصائفة الماضية للنهوض بالاقتصاد المتهالك.

وتتجه الحكومة إلى تحقيق برنامج تنموي يتضمن 37 بندا، تشمل عدة قطاعات كالطاقة والمالية والصناعة والتكنولوجيات الحديثة، عبر تكثيف وتيرة الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في المناطق الشمالية والبحر، في خطوة تستهدف تغطية الاستهلاك الداخلي المتصاعد، وتعويض الآبار الصحراوية التي بلغت مرحلة الشيخوخة، مما أدى إلى تراجع إنتاج البلاد إلى حدود المليون برميل يوميا بعدما وصلت ذروتها في بداية العشرية الأخيرة (1.5 مليون برميل)، كما قررت الحكومة وقف استيراد النوع الممتاز من البنزين بداية من مطلع العام 2021.

وفي سياق متصل تتجه الحكومة إلى “استغلال منجم الحديد بغار جبيلات بولاية تندوف في أقصى الجنوب الغربي، ومنجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية (شرقي العاصمة) ومشروع الفوسفات بالعوينات بولاية تبسة في أقصى شرق البلاد”.

كما أطلقت خطة ترخص بموجبها للشباب والمواطنين استغلال مناجم الذهب بجانت وتمنراست أقصى جنوبي البلاد، وإطلاق شراكات أجنبية للمناجم الكبرى، في خطوة تستهدف نشاط التنقيب عن الذهب من النشاط العشوائي.

إلا أن خطة تبون، لإنعاش اقتصاد البلاد لم تحقق الانطلاقة اللازمة أو مردودية معينة، وتتجه إلى الاصطدام مع نواب البرلمان في ظل المعطيات التي كشف عنها قانون الموازنة العامة، والسجال المتصاعد حول قطاع الصناعة الذي كان يعول عليه للمساهمة في المخطط المذكور، وذلك بعد الانتقادات الشديدة التي وجهت لوزير القطاع، على خلفية ما وصف بـ”النظرة والمصالح الضيقة التي فصلت لبعث أنشطة صناعة السيارات والصناعات الكهرومنزلية، وإنتاج قطع الغيار واستيراد المركبات الجديدة”.

10