قانون "بناء الكنائس وترميمها" في مصر بين الترحيب والحذر

إصدار قانون “بناء الكنائس وترميمها ” في مصر، يمثل لدى منتظريه خطوة مهمة على طريق حل إحدى المشكلات المزمنة، وربّما سدّا لباب ذرائع القائلين بعدم قانونية بناء الكنائس، كما يمكن أن يكون وأدا للفتنة أو إيقاظا لها على حد سواء.
الخميس 2016/05/19
القانون الجديد قد يحمي الأقباط من التطرف السلفي

القاهرة - كان بناء الكنائس وترميمها في مصر على مدى عقود كثيرة أحد أهم أسباب الفتنة الطائفية، بسبب تعارضها مع بعض الأفكار الفقهية المتشددة التي ترفض التوسع في بناء كنائس جديدة في بلد تعيش فيه غالبية مسلمة.

يعود قانون بناء الكنائس لما يسمى بـ “الخط الهمايوني” الصادر من الدولة العثمانية في فبراير 1856 لغير المسلمين، وتم ربط ترخيص بناء الكنائس وترميمها بموافقة السلطان العثماني منعاً لتسلط وتحكّم الولاة، وهو الحق الذي انتقل لرأس الدولة المصرية بعد الاستقلال.

استمر العمل بذلك المرسوم إلى أن جاء مرسوم 1934 الذي عُرِف بمرسوم “الشروط العشرة”، وكانت أغلبها مدخلاً لعرقلة صدور التصريح لبناء الكنائس.

ظل القانون على ثوابته، حتى عام 1972 الذي صدر فيه تقرير يحوي علاجًا للأزمات المتكررة الخاصة ببناء الكنائس، وعندما أصدر الرئيس الأسبق حسني مبارك قرارا جمهوريا سنة 2005 وفوّض المحافظين في الموافقة على بناء أو إجراء توسعات في أي كنيسة قائمة، شكلت البيروقراطية القائمة عائقا لتنفيذ القرار.

وظلت الأزمة معلّقة، وتراكمت مشكلات بناء الكنائس بكل المحافظات، ما أجبر الكثير من الأسقفيات على بناء كنائس غير مرخّصة.

يبلغ عدد الكنائس المقامة في مصر نحو 3126 كنيسة بناء على إحصائية رسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، علاوة على عشرات الأديرة المنتشرة في ربوع المحافظات، وتتسع لنحو 24 مليون مصلّ، مع أن عدد الأقباط في مصر لا يتجاوز نسبة 10 بالمئة من تعداد السكان البالغ 90 مليون نسمة، ما يجعل من هذه المسألة قنبلة قابلة للانفجار أو الاحتقان، إذا جرى الإمعان في تداول الحديث عنها، والعزف على وترها بصورة طائفية.

ظلّ القانون الموحد لبناء دور العبادة مطلبا قويا من الكنائس المصرية، ولم ينقطع الحديث عنه وحوله، وترددت معلومات تفيد تقديمه إلى مجلس النواب لإقراره في دورته التشريعية الحالية، ثم تراجع الحديث فجأة عن قانون موحّد لدور العبادة وحل محله قانون "بناء الكنائس وترميمها".

رفض الأقباط لقانون "دور العبادة الموحد" سببه الخوف من وضع الكنائس وأموالها تحت رقابة الدولة

وأشار نبيل نجيب سلامة، مسؤول الإعلام والعلاقات العامة بالهيئة القبطية الإنجيلية، إلى أنه بعد قيام ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 وما تلاهما من قيام جماعة الإخوان المسلمين بحرق وتدمير عشرات الكنائس في صعيد مصر، دعت الحاجة الملحّة إلى ضرورة وجود قانون ينظم عملية بناء وترميم الكنائس.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدستور المصري الجديد لسنة 2014 ينص في المادة 64 على "أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية".

ورأت الكنائس المصرية أنه من غير المنطقي تطبيق شروط واحدة على بناء المساجد والكنائس، والأفضل أن يكون هناك قانون خاص لبناء المساجد وآخر لبناء الكنائس.

وكشف باحث في الشأن القبطي عن كثب لـ"العرب” أن رفض الأقباط لقانون "دور العبادة الموحد" سببه الخوف من وضع الكنائس وأموالها تحت رقابة الدولة والجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة التضامن الاجتماعي، ما يفتح الباب على مصراعيه للطوائف الأخرى للمطالبة بحقها في دور العبادة.

وأكد الباحث القبطي (رفض ذكر اسمه) أن هذا الأمر أدى إلى إلغاء تراخيص العديد من الكنائس، ووقف أعمال البناء في كنائس أخرى، بصورة ربما تزيد من حدة التوتر والاحتقان الطائفي في مصر.

وعلمت "العرب" أن أسباب الخلاف تكمن في إصرار الكنائس على الحصول على تراخيص لمباني كنيسية غير مرخصة، طوال الفترات السابقة، تصل نسبتها إلى أكثر من 50 بالمئة من المباني الكنيسية في مصر.

ويبدو أن الحكومة المصرية تريد نفض يديها، نظرًا لحساسية القضية وتعقيداتها المتراكمة، ورمت الكرة في ملعب مجلس النواب ليتحمل مسؤولية المواد القانونية المنظمة لبناء الكنائس بشكل قاطع وفي زمن محدّد.

وأوضح مصدر كنيسي لـ “العرب” أن بعض بنود مشروع القانون الجديد التي لم يتم الإفصاح عنها حتى الآن، تتضمن منح رئيس الطائفة أو الكنيسة الحق في تقديم طلب لمحافظ الإقليم (المحافظة)، بعكس الفترات السابقة التي كان يتم فيها اللجوء إلى رئيس الجمهورية أو الجهات الأمنية لبناء كنيسة..

الحكومة المصرية تريد نفض يديها، نظرًا لحساسية القضية وتعقيداتها المتراكمة، ورمت الكرة في ملعب مجلس النواب ليتحمل مسؤولية المواد القانونية المنظمة

حدد القانون المنتظر طرق الترميم وإعادة البناء بشكل يختلف عما كان يتبع في الماضي، حيث لا يشترط أن يتم التجديد وفقًا للمساحة أو الارتفاع السابق، لكن بما يتفق مع الزيادة السكانية.

وأوضح رؤساء كنائس لـ"العرب" أنّ القانون الجديد لم يُفرض من جانب الدولة، ممّا يعطيه قوة ومصداقية، بعيدا عن التعقيدات البيروقراطية، وكذلك يراعي التيارات الإسلامية المتشددة.

وفي الوقت الذي يشيد فيه أقباط كثيرون بالبنود التي تم تسريبها رأى الدكتور الأنبا يوحنا قلته – أحد رموز الكنيسة الكاثوليكية – أن قانون "بناء الكنائس وترميمها" يمثل وصمة عار على الدولة المصرية، لأنه يكرس التمييز والطائفية في مصر، ويرسخ مفهوم الأقلية القبطية.

ونبّه على ضرورة أن تعالج مشكلات الأقباط في إطار عام لمشكلات المصريين ككل، لإزالة الجدران العازلة بين المواطنين جميعا، بلا تمييز ديني أو طائفي.

وفي المقابل، يرى نبيل عبد الفتاح – الخبير في العلوم الاجتماعية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية – في تصريحات لـ”العرب” أن القانون يساهم في تحسين صورة مصر في الخارج، خاصة في ما يتعلق بالمشكلة القبطية التي وظفها البعض لأغراض سياسية، ومحاولة الضغط على الحكومة المصرية لوقف ما يسمى بـ”التمييز ضد الأقباط” وحرمانهم من حقوقهم الدينية، وعلى رأسها بناء دور العبادة الخاصة بهم.

وأوضح متابعون للشأن القبطي أن التفاؤل بالقانون الجديد يجب أن يكون “تفاؤلا حذرا” لأنه ليس من المتوقع إقراره وتطبيقه بدون مشكلات وصعوبات، وتوقّع سامح فوزي – الباحث في الشؤون السياسية – أن يثير القانون الجديد جدلا مجتمعيا، من جانب التيارات الإسلامية وبالتحديد السلفيين، وأكد فوزي أنّ وجود بعض التيارات الدينية المتشددة والتي تتخذ موقفا سلبيا من الأقباط، ومن بناء الكنائس خصوصا، سوف يشكل أكبر التحديات أمام تطبيق القانون وتفعيله.

وألمح إلى أن مسودة القانون سوف تخضع للمراجعة والتعديلات الكثيرة من جانب الحكومة والبرلمان، حيث تلعب الاعتبارات السياسية والدينية دورا مؤثرا في الصورة النهائية للقانون، وربما تفرض عليه العديد من القيود.

13