قانون ترخيص المطبوعات اللبناني يكبل أيادي الصحفيين الشباب

إصدار مطبوعة سياسية في لبنان يخضع لشروط مجحفة، فالقانون يحظر منح أي تراخيص جديدة إلا وفق معادلة مقيدة للحريات العامة وتجارية بحتة، وهو ما يحرم الصحفيين الشباب من تأسيس مطبوعة سياسية والتعبير عن أنفسهم والمشاركة في الحياة العامة.
الخميس 2015/07/09
إلغاء تراخيص المطبوعات يؤدي إلى إلغاء نقابة الصحافة ونقابة المحررين

بيروت - طالبت مجموعة من الصحفيين والإعلاميين في لبنان بإلغاء المرسوم الذي يحدد عدد المطبوعات السياسية ويقيدها بـ45 مطبوعة، وهو ما حول المؤسسات الإعلامية صاحبة التراخيص السياسية إلى وسائل احتكار للصحافة والرأي السياسيين.

وينص القانون على حظر منح أي تراخيص جديدة إلا وفق معادلة مقيدة للحريات العامة وتجارية بحتة، تقضي بشراء الشخص الراغب في إصدار مطبوعة سياسية، امتيازين من لائحة المطبوعات السياسية المرخص لها، وإيقافهما عن الصدور حتى يتم منحه امتيازا جديدا باسمه.

هذا الواقع دفع "مركز الشراكة للتنمية والديموقراطية"، إلى إطلاق مبادرة جديدة الأسبوع الماضي، ذكر فيها أن المرسوم الاشتراعي بهذا الخصوص، يحرم الشباب من تأسيس مطبوعة سياسية، إذ يحدد عدد الإصدارات انطلاقا من مراعاته للاستثناءات القائمة على اعتبارات نخبوية ومحسوبيات سياسية، ما أدّى إلى تكريس الاحتكار في القطاع الصحافي واستحداث نظام من الامتيازات التي تجرّد الشباب من حقهم في التعبير السياسي الإعلامي، فضلا عن رؤية المركز والموقعين على العريضة، بأن هذا المرسوم لا يتماشى مع مجتمع ديمقراطي يؤمن بالتعددية وحرية إبداء الرأي.

ورأت الصحفية فايزة دياب “أن استمرار العمل بالمرسوم الاشتراعي رقم 74 الصادر في سنة 53 (أي منذ 62 سنة)، ما هو إلا تعليب لحرية التعبير ضمن عدد محدود من المطبوعات السياسية والمملوكة من أشخاص، أي إلغاء مبدأ الحرية، إذ أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون امتيازا أو احتكارا يضيقان خيارات الصحافيين الشباب في التعبير عن أنفسهم والمشاركة في الحياة العامة”.

المرسوم الحالي يحرم الشباب من تأسيس مطبوعة سياسية لأن عدد الإصدارات محدد باستثناءات نخبوية وسياسية

من جهتها اعتبرت طالبة في إحدى كليات الإعلام "أن المرسوم يؤدي إلى تحديد المجالات التي يجري تسليط الضوء عليها مع تغييب السياسات الشبابية، وإلى إلغاء أي فرصة للصحافيين الشباب لإصدار مطبوعة سياسية".

وسبق أن قامت جهات مدنية وإعلامية، بمحاولات سابقة للدفع نحو إلغاء المرسوم المذكور، وما زال أبرزها اقتراح قانون الإعلام، الذي تقدّم به النائب غسان مخيبر بالتعاون مع مؤسسة "مهارات" الإعلامية، والذي يتضمن في إحدى فقراته إلغاء المرسوم عينه، كما تضمن السماح لأي شخص بأن يصدر مطبوعة صحفية دورية من دون ترخيص مسبق ومن دون إيداع أو تأمين مالي. إذ إنّ قانون المطبوعات الحالي يخضع إصدار أي مطبوعة أو إنشاء أي وسيلة إعلامية أو دار نشر، لترخيص مسبق، فيما يحدد المرسوم الاشتراعي المذكور عدد المطبوعات السياسية منذ العام 1953 بلا تعديل أو تطوير.

ومنذ ذلك الحين لم يعط أي امتياز سياسي يومي أو أسبوعي أو شهري، ليستقر بذلك عدد الامتيازات المرخصة على 110، تتوزع بين الفئات الثلاث، وبحسب المرسوم، لا يُعطى ترخيص باسم جديد لمطبوعة دورية سياسية إلا لمن يملك صحيفتين من نوع الصحيفة المطلوب إصدارها، وتتوقفان نهائيا عن الصدور لقاء الترخيص المطلوب.

لكن المستشار القانوني في مؤسسة “مهارات” طوني مخايل، يقول إن هذا التحديد يتنافى ومبدأ الحرية، ويؤكد أن إلغاء المرسوم الاشتراعي، من شأنه أن يفتح المجال أمام تأسيس تنظيم جديد للصحافة لناحية مؤسسي الصحف، انطلاقا من نظرة جديدة تسعى إلى تكريس مبدأ حرية التعبير وعدم تطويقها بتراخيص وامتيازات، ويظهر الواقع الحالي أن هناك تواطؤا سياسيا يمنع المسّ بآلية تنظيم الصحافة اللبنانية.

طوني مخايل: استمرار التمييز بين المطبوعة السياسية وغير السياسية أمر غير منطقي

ويوضح مخايل أن المرسوم الاشتراعي المذكور منفصل عن قانون المطبوعات، فهو يشير إلى أن استمرار التمييز بين المطبوعة السياسية وغير السياسية هو أمر غير منطقي، وليس علميا بتاتا، إذ أن أي مادة صحافية أو إعلامية يمكنها أن تتداخل مع السياسة أو أن تتطرق إلى أي حدث أو موقف أو قضية سياسية من جانب معيّن، الأمر الذي طالب اقتراح القانون بتعديله في سياق متكامل مع إلغاء مرسوم تحديد عدد المطبوعات السياسية.

غير أن الإصلاح القانوني المطلوب لم يلق، طوال الفترة السابقة، استساغة نقابية أو سياسية، خصوصا أن الامتيازات والمطبوعات السياسية كلها الآن محصورة في مجموعات سياسية أو طائفية أو حزبية أو عائلية، إلى جانب أن نقابة الصحافة التي تمثل أصحاب الصحف، متمسكة بمبدأ التراخيص والامتيازات، إضافة إلى تمسّكها بالتمييز بين المطبوعات السياسية وغير السياسية. إذ أن إلغاء كل هذه المواد أو تعديلها، إلى جانب إباحة تعيين المدير المسؤول للمطبوعة من دون التقيّد بشرط انتسابه للجدول النقابي، يعني إلغاء الجدول النقابي على ما ينص اقتراح القانون، ما يؤدي إلى زعزعة بنية نقابة الصحافة.

وموقف النقابة ليس جديدا، مع إعلانها سابقا أنّ طلب إلغاء تراخيص المطبوعات السياسية وغير السياسية يؤدي إلى إلغاء نقابة الصحافة، وكذلك نقابة المحررين من الوجود، طالما أن نقابة الصحافة تمثّل أصحاب التراخيص المطلوب إلغاؤها، ونقابة المحررين تمثّل الصحافيين المسجلين في الجدول النقابي باستثناء أصحاب المطبوعات منهم.

ويلفت مخايل إلى ضرورة تسليط الضوء على خوف النقابة على مصالحها المادية التي ستفقدها في حال أقر هذا الاقتراح، فهناك 500 مليون ليرة تدفعها الدولة اللبنانية ويستفيد منها كل من نقابة الصحافة والمحررين ووزارة الإعلام.

وأكد نقيب الصحافة، عوني الكعكي، استمرار تمسّك النقابة بموقفها السابق، ومستغربا من “ربط القضية بمبدأ حرية التعبير السياسي”، إذ “باتت هناك منصات كثيرة متاحة للتعبير، فمن أين أتوا بهذه القصة؟”، على حد تعبيره.

18