قانون تعدين مصري يفتح أبواب المناجم للمستثمرين

رهان على قطاع المناجم الاستراتيجي لتعزيز التوازنات المالية.
الثلاثاء 2020/01/28
إحصاء دقيق لعناصر الثروة

كثفت مصر جهود توسيع نشاط قطاع المناجم بوضع اللمسات الأخيرة على قانون التعدين، الذي ينتظر مصادقة البرلمان، بعد رسم خارطة مفصلة لتعزيز دوره في الاقتصاد من خلال تطوير إنتاج الفوسفات وجذب استثمارات جديدة إلى صناعة استخراج المعادن.

القاهرة - اقتربت مصر من إعطاء الضوء الأخضر لرحلة البحث عن الثروات الطبيعية في المناجم المنسية، التي باتت محل أنظار السلطات لزيادة العوائد بعد أن تتم مصادقة البرلمان على قانون يفتح أبواب الاستثمار أمام رؤوس الأموال الأجنبية.

وأصدرت الحكومة مؤخرا لائحة تنفيذية مفصلة لقانون الثروة المعدنية، في خطوة أخرى لإزالة العقبات أمام المستثمرين لدخول هذا القطاع الواعد.

ويعتبر قطاع المناجم، الذي ظل لسنوات داخل الصندوق الأسود لاستثمارات الدولة المنسية، من القطاعات الاستراتيجية، التي بدأت القاهرة بالتركيز عليه باعتباره يوفر عائدات مالية كبيرة من العملة الصعبة.

ولم تواكب التشريعات مع واقع هذه الصناعة عالميا، ما أدى لعزوف شركات كبرى عن الاستكشاف، فضلاً عن عدم وجود نظم حوكمة قادرة على النهوض بالقطاع، وغياب سياسات واضحة لتصنيع الخامات التعدينية.

وتتضمن اللائحة أحكاما تسري على تراخيص البحث والاستغلال لخامات المناجم والمحاجر والملاحات، التي تصدر من السلطة المختصة.

وبحسب القانون سوف تؤول حصيلة الإيجارات والإتاوات والرسوم المقررة بهذه اللائحة في ما يخص المناجم والمحاجر والملاحات إلى الخزانة العامة للدولة.

2 بالمئة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي التي تستهدفها مصر بحلول 2023

وقال مجلس الوزراء في بيان إن “مصر ستحدد للشركات إتاوات بما يصل إلى عشرين بالمئة بموجب لائحة تنفيذية جديدة لقانون الثروة المعدنية”.

وتأمل الحكومة في أن يفتح القانون الجديد باب الاستثمار في ثروة مصر المعدنية الهائلة، والمتعثر بسبب ما تصفها شركات تعدين بأنها أكثر الشروط تثبيطا في العالم.

وذكر البيان أنه بموجب اللائحة ستبدي لجنة رأيها في تحديد نسبة الإتاوة لكل خام على حدة بما لا يقل عن خمسة بالمئة ولا يزيد على عشرين بالمئة كحد أقصى من الإنتاج السنوي للخام الذي يستغله المرخص له.

ونصت اللائحة أيضا على أن تُعد الهيئة والجهة المختصة نماذج لطلبات تراخيص البحث، وما يتعلق بها تتضمن عددا من هذه الطلبات للقيد في سجل الشركات المؤهلة والأفراد المؤهلين للعمل في مجال التعدين.

ويشكل منح التراخيص، وهي فكرة تتعلق باقتران البحث والاستكشاف بالاستغلال، وتوفر المعلومات الرقمية والإلكترونية بالمجان، من أبرز التعديلات.

وظل النظام المالي القائم على المشاركة تحديا أمام المستثمرين لأن مصروفات التشغيل عالية وتمثل عبئا على المستثمر، والنظام الأسهل هو الإتاوة التي تفرض على المستثمر مع نسبة مشاركة.

عبدالعال عطية: قطاع عانى من إهدار ثرواته وتحكم غير المختصين في إدارته
عبدالعال عطية: قطاع عانى من إهدار ثرواته وتحكم غير المختصين في إدارته

وتعتبر مصر من أكثر الدول الغنية بالمعادن والخامات وتمتلك كميات هائلة من الرمال السوداء التي تحتوى على مجموعة من المعادن مثل الروتيل والألمينيت، إلى جانب الزركون الذي يدخل في صناعة السيراميك والخزف.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن هناك 120 منجما للذهب في مصر، ورغم ذلك لا توجد غير شركة واحدة منتجة له حاليا من مشروع السكرى بكميات تصل إلى نصف مليون أوقية كل عام.

وكانت القاهرة قد أطلقت في ديسمبر 2018 أول خارطة جيولوجية لثروتها التعدينية، كخطوة نحو إقرار تعديلات على القانون، الذي تم تعديله في 2014، لتحفيز المستثمرين خاصة وأن البلاد لم تستقبل أي استثمار منذ ذلك التاريخ.

وقبل عامين، بدأت وزارة البترول والثروة المعدنية في وضع استراتيجية متكاملة لتطوير القطاع بالتعاون مع المكتب الاستشاري العالمي وود ماكينزي.

وتتضمن الاستراتيجية محاور للمساهمة في تطوير التشريعات لجذب الاستثمارات وتشجيع تدشين صناعات تعدينية تزيد القيمة المضافة وتوفر فرص عمل جديدة، إلى جانب الاهتمام بمسألة التدريب والتأهيل.

وانتهت أولى مراحل الاستراتيجية بوضع دراسة تشخيصية للموقف الحالي للثروة المعدنية وأوجه العمل بالقطاع والتعرف على عدد من النماذج الدولية الناجحة في قطاع التعدين.

وتستهدف مصر زيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 2 بالمئة بحلول 2023 كخطوة أولى.

وتشير التقديرات إلى أن القطاع يساهم في الوقت الحاضر بنحو 0.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي رغم الإمكانات التي تزخر بها البلاد.

وأعلن وزير المالية المصري محمد معيط الأسبوع الماضي أن إجمالي الناتج المحلي تجاوز حاجز الـ6 تريليونات جنيه (380 مليار دولار) خلال العام المالي المنتهي في يونيو الماضي، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

وترزح مصر تحت احتياطات كبيرة من خامات الذهب والفوسفات والحديد والمنجنيز وأحجار الزينة مثل الغرانيت والرخام والأحجار الجيرية التي تمثل خامات أساسية لصناعة الإسمنت ومواد البناء.

وقال رئيس هيئة الثروة المعدنية أيمن الساعي في تصريحات سابقة لـ”العرب” إن البلاد “لديها نحو 120 منجما للذهب لم يتم استغلال سوى منجم واحد فقط، وتديره شركة سنتامين مصر”.

ولدى مصر حزام فوسفات يبدأ من البحر الأحمر وحتى حدود ليبيا، إلى جانب احتياطي يقدر بنحو 45 مليار طن من الرمال البيضاء، تشجع على صناعات تعدينية ترفع القيمة المضافة عند تصنيعها ليبلغ سعر طن من الرمال لمئة دولار.

ثروات كبرى
ثروات كبرى

وقبل سنوات تم إطلاق شركة لتسويق خام الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية لزيادة إيرادات هذا الخام والتغلب على التحديات الخاصة بتعدد جهات بيع وتصدير الفوسفات المصري، الأمر الذي يصعب معه الحصول على سعر عادل.

وتم البدء في مشروع لتصنيع الفوسفات، وهو تابع لشركة فوسفات مصر لإنتاج حمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاتية، وإنشاء شركة جديدة لهذا الغرض.

وتعاني البلاد من انتشار ظاهرة التنجيم العشوائي التي تنشط دون ترخيص، وخاصة البحث عن الذهب، إذ يهرب للخارج، ولكن الحكومة تسعى لضبط أوضاع هذه الفئة عبر ضم نشاطها إلى القطاع الرسمي.

وتستعد وزارة البترول والثروة المعدنية لإقامة مجمعات صناعية لتنظيم نشاط محترفي التنجيم العشوائي وتأهيلهم وتدريبهم على الأساليب العلمية في التنقيب والاستفادة منهم بدلا من ممارسة أنشطتهم بصورة غير شرعية.

ورغم كل تلك التحركات، يعتقد خبراء التعدين في مصر أن القطاع يحتاج المزيد من الجهود للنهوض به وتحقيق الفائدة الاقتصادية المرجوة منه.

ويرى الخبير الجيولوجي المصري عبدالعال عطية أن قطاع التعدين عانى كثيرا طيلة عقود من إهدار ثرواته وتحكم غير المختصين في إدارته.

ونسبت الصحافة المحلية لعطية وهو مستشار هيئة الثروة المعدنية سابقا، قوله إن “إسناد المناجم للمحليات والجهات الإدارية المختلفة قلص كثيرا من حجم الاستفادة من ثروات التعدين في البلاد”.

وواصل أداء الاقتصاد المصري كسر التوقعات، حين رفعت القاهرة مرة أخرى توقعاتها لمعدلات النمو في السنة المالية الحالية التي تنتهي في يونيو المقبل حيث من المتوقع أن يصل المعدل إلى ما بين 5.8 و5.9 بالمئة من معدل مستهدف في السابق عند نحو 5.6 في المئة.

10