قانون مالية تكميلي في الجزائر لإرضاء رجال الأعمال على حساب الشعب

مشروع القانون يفتح أراضي الدولة الزراعية أمام الاستثمارات الأجنبية ويتضمن فرض ضرائب جديدة.
الأحد 2018/05/06
سياسة غير منصفة

الجزائر - أقرّت الحكومة الجزائرية من جديد جملة من التدابير التقشّفية الإضافية من أجل مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية، إذ تم إدراج هذه الإجراءات ضمن مشروع تكميلي لقانون المالية من المنتظر أن تتم دراسته في اجتماع قادم لمجلس الوزراء.

ومن المتوقع أن يثير مشروع القانون التكميلي، الذي ستتم إحالته على البرلمان للمصادقة عليه قبل شهر يوليو القادم، جدلا واسعا في البلاد من جديد بسبب ما يعتبره البعض سعي الحكومة إلى إثقال كاهل المواطنين بالضرائب لتوفير موارد جديدة للخزينة العامة.

وتضمّنت النسخة الحالية من مشروع قانون المالية التكميلي، التي اطلعت عليها “العرب”، عدة إجراءات جديدة تشير إلى سعي حكومة أحمد أويحيى الشديد لاحتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية، رغم أن موارد البلاد قد تحسنت بفضل عائدات النفط بعد أن تجاوز سعره سقف 70 دولارا للبرميل الواحد، إذ أن الموازنة العامة بنيت على توقعات بسعر 50 دولارا للبرميل.

واحتوى مشروع القانون التكميلي ضرائب جديدة على المواطنين إلى جانب مراجعة التسهيلات المالية والضريبية، التي يحظى بها الناشطون في مجال تركيب السيارات.

كما تضمن رفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، إضافة إلى زيادة في تخصيصات البعض من الوزارات، فضلا عن فتح الأراضي التي تملكها الدولة أمام الاستثمارات الأجنبية في إطار امتياز الشراكة الذي يمثل استغلالا للعقارات الزراعية لحوالي 40 عاما قابلة للتجديد.

ويرى مراقبون أن إقرار الحكومة لقانون مالية تكميلي بصفة مفاجئة بعد التخلي عنه خلال السنوات الماضية، جاء تجاوبا مع بعض الضغوط الاقتصادية والتجارية الأوروبية ومع توجيهات المقرضين الدوليين خاصة في ما يتعلق بمراجعة سياسة الدعم الاجتماعي وتجميد التوظيف في القطاع الحكومي وتحرير أسعار الوقود.

ولا يستبعد أن تلجأ الحكومة إلى توقيف العمل بقرار حظر الاستيراد لأكثر من 900 بضاعة من الخارج تحت ضغوط الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر القرار خارقا لاتفاق الشراكة الموقع بين الطرفين عام 2005.

وكان الاتحاد الأوروبي قد وظف آلياته الدبلوماسية من أجل دفع الحكومة الجزائرية لمراجعة قرارها، وهو الأمر الذي يمهّد له قانون المالية التكميلي بفرض رسوم جديدة على الاستيراد قد تصل إلى 200 بالمئة بهدف شل نشاط الاستيراد في حال التراجع عن قرار الحظر.

واعتبر خبراء أن جعل الأراضي الزراعية التي تملكها الدولة متاحة أمام الاستثمارات الأجنبية، يمثل أحد المحظورات التي تريد الحكومة كسرها، وهو ما قد يخلق مقاومة داخلية خاصة في ظل تحذيرات من فشل المشاريع الزراعية الكبرى في العديد من التجارب قياسا بما يستهلكه هذا القطاع من احتياطات مائية ومن مقدرات التربة.

وكانت شركات أميركية قد أعربت عن استعدادها للاستثمار في الأراضي الزراعية الجزائرية خاصة في جنوب البلاد وإنشاء شركات للصناعات الغذائية، وهو ما سيصطدم مع رؤى المحافظين الذين يعتبرون قطاع الزراعة رمزا من رموز السيادة الوطنية الموروثة عن خطاب ثورة التحرير والسلطات التي أعقبت الحصول على استقلال البلاد في 1962.

ويرى الخبير الزراعي عيسى منصور أن “الاستثمارات الأجنبية التي يراهن عليها لتحقيق الأمن الغذائي سجلت فشلا ذريعا في بعض التجارب بسبب استنزافها للثروات الباطنية وخصوصيات الخصوبة”.

إقرار الحكومة لقانون مالية تكميلي بعد التخلي عنه لسنوات، جاء تجاوبا مع بعض الضغوط الاقتصادية والتجارية الأوروبية خاصة في ما يتعلق بمراجعة سياسة الدعم الاجتماعي وتجميد التوظيف وتحرير أسعار الوقود

وأضاف أن “الاستثمارات الأجنبية تهدد نشاط المزارعين المحليين بسبب عدم تكافؤ الفرص وفارق الإمكانيات، ما قد يحولهم إلى عمال عند المستثمرين الأجانب”. وشدد منصور على أن الأمن الغذائي يجب أن يتحقق بالإمكانيات المحلية وليس الأجنبية “وإلا لا يعتبر أمنا غذائيا”.

ودفعت الانتقادات الشديدة للناشطين في مجال تركيب السيارات والمركبات، على خلفية التسهيلات الضريبية والمالية التي يحظون بها، الحكومة إلى مراجعة أسلوب إدارتها لهذا الملف بعد تفاقم الجدل حول علاقات مشبوهة بين رجال أعمال وأعضاء في الحكومة. وقد أفضى هذا الأمر إلى اختلال في السوق المحلية وحرمان الخزينة العمومية من موارد هامة، ومن المحتمل أن يكون هذا سبب إقرار ضريبة على القيمة المضافة بنسبة 19 بالمئة.

وتتوجه الحكومة الجزائرية، تحت ضغط تقلص موارد النفط بنحو 60 بالمئة، إلى تبني خيارات غير اجتماعية رغم الجدل الذي أثارته سياستها التقشفية وتفاقم الاحتجاجات في مختلف القطاعات الحيوية، بشكل يضع الجبهة الاجتماعية على صفيح ساخن.

ومن المتوقع أن تلغي الحكومة الدعم والمساعدات الاجتماعية في قطاعات حيوية من بينها الصحة والمواد الاستهلاكية والطاقة والوقود.

وحصر مشروع القانون الضرائب الجديدة في المعاملات الإدارية الدورية ولم يمس بأسعار الوقود والمواد الاستهلاكية الأخرى. لكن تصريحات وزراء المالية والطاقة والداخلية وتواتر توصيات الهيئات المالية الدولية يعمقان المخاوف لدى الجزائريين من احتمال رفع الدعم ومراجعة السياسة الاجتماعية في السنوات القليلة القادمة.

وانتقد خبراء وناشطون سياسيون إمعان الحكومة في زيادة الضرائب على الفئات الاجتماعية الضعيفة دون المساس بالميسورين، فضلا عن إلغاء الضريبة على الثروة في قانون الموازنة العامة في ديسمبر الماضي.

ويوجّه اللوم إلى الحكومة بسبب فشلها في إيجاد بدائل ناجعة للاقتصاد الوطني، حيث يحذّر المراقبون من إمكانية الدفع بالوضع الاجتماعي إلى الانفجار.

واعتبر رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور أن “النظام السياسي الحالي فقد كل أوراق البقاء، وإذا لم يرحل فإنه سيكون الخطر الأول على استقرار ووحدة البلاد”، موضحا أن “القمع السياسي الممارس لتمرير مشروع التفقير سيفجر الوضع الاجتماعي لا سيما مع تراجع مقدرات توفير ضروريات المجتمع وعندها لا أحد بإمكانه التحكم أو استشراف الانزلاق في ظل الظروف والأوضاع الداخلية والإقليمية المحيطة”.

2