قانون مكافحة الإرهاب في تونس يقتنص الحريات بتغليب الخيارات الأمنية

الأربعاء 2015/01/21
رجال الأمن في حاجة إلى قانون يحميهم من سطوة المتشددين

تونس – يعتبر قانون مكافحة الإرهاب من أهم القوانين المطروحة والمثيرة للجدل وسط تصاعد ملحوظ لأعمال العنف والهجمات الإرهابية ضدّ وحدات الأمن والجيش، وتطالب نقابات الأمن وجميع الفاعلين من قضاة وحقوقيين وسياسيين بضرورة المصادقة على القانون وتعديل بعض فصوله حتى يحمي الحقوق والحريات ويحترم أحكام الدستور من جهة ويكون ناجعا في التصدي للإرهاب من جهة أخرى.

وأكدت روضة القرافي، رئيسة جمعية القضاة في تونس، أن قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال يعدّ من أهم القوانين المطروحة في المرحلة الانتقالية والمراحل التي ستليها نظرا إلى استفحال الظاهرة الإرهابية وتصاعد مخاطرها.

وأفادت القرافي في تصريحات لـ”العرب”، أن قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003 والذي اعتمده النظام السابق في نسخة تعدّدت فيها الثغرات القانونية خاصة فيما يتعلق بضمان الحقوق والحريات والمحاكمة العادلة، يعد أداة قمع وتضييق.

وشدّدت على ضرورة تلافي كل ما من شأنه أن يمسّ الحريات العامة والفردية للمواطنين وتجاوز هنات القانون القديم، معتبرة أن مشروع القانون الجديد الذي لم تتمّ المصادقة عليه بعد، يتطلّب الكثير من الجهد والتعديلات حتى يتماهى مع المعايير الدولية.

يشار إلى أن قانون مكافحة الإرهاب الذي تبنته السلطات التونسية سنة 2003 بتعلّة ضمان الأمن والاستقرار، كان محلّ انتقاد شديد من قبل المنظمات الدولية والأحزاب المعارضة لحكم بن علي آنذاك، فقد شمل القانون تعريفات عامّة وغير دقيقة للجريمة الإرهابية، كما تضمّن أعمالا من قبيل “تعكير صفو النظام العام”، نتجت عنها تصفية المعارضة السلمية سياسيا ومحاكمة أكثر من ثلاثة آلاف شخص.

روضة القرافي: نطالب بتعديلات في القانون حتى يتماشى مع المعايير الدولية

وبعد سقوط نظام بن علي، عاد هذا القانون ليطرح من جديد وبقوة خاصة بعد تواتر الهجمات الإرهابية ضدّ وحدات الأمن والجيش واغتيال المعارضين البارزين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إذ اتفق الفاعلون في المشهد السياسي التونسي على بلورة قانون جديد للتصدي لأعمال العنف والتطرف، لكن لم تتم المصادقة عليه وتفعيله إلى اليوم.

وتضمّن نص المشروع الجديد نقاطا إيجابية كثيرة مقارنة بقانون الإرهاب لسنة 2003، حيث ورد فيه قسم خاص بتعويض ضحايا الإرهاب، بما في ذلك تمكينهم من الرعاية الصحية المجانية في المستشفيات العمومية ومن المساعدة القضائية.

ولكن مشروع القانون أبقى على تعريف فضفاض لما يعتبر نشاطا إرهابيا، وهو ما قد يسمح للحكومة الجديدة بقمع العديد من الحريات المكفولة محليا ودوليا.

وفي هذا السياق، أكدت رئيسة جميعة القضاة، أن مشروع القانون الجديد لا يخلو من مسّ ببعض الحريات الأساسية مثل حرمة المسكن والمعطيات الشخصية، باعتبار أنه من حق الجهة الأمنية التنصت على المكالمات الهاتفية ومراقبة المراسلات الإلكترونية، داعية إلى ضرورة تشكيل لجان مستقلة للقيام بعملية التنصت.

كما دعت الحكومة إلى الالتزام بتوصيات الأمم المتحدة لتجنب التعريفات العامة والغامضة والقابلة للتأويل والتي من شأنها التضييق على حرية التعبير والتظاهر.

واستنادا إلى هذا القانون، يعد مرتكبا لجريمة إرهابية كل من يتعمد بأية وسيلة كانت تنفيذا لمشروع فردي أو جماعي يهدف بحكم طبيعته أو في سياقه إلى بث الرعب، ومن بين الأفعال المذكورة في الفصل 13 والتي تعدّ جرما إرهابيا، الإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة أو بالمرافق العمومية وتعطيل وسائل النقل، وغيرها من الأفعال التي لا تتوفر فيها نية استخدام العنف، فبموجب هذا التعريف يمكن اعتبار مظاهرة سلمية تتعطل بسببها حركة المرور والنقل عملا إرهابيا يعاقب فاعله بالسجن لسنوات طويلة.

الصحبي الجويني: مكافحة الإرهاب آلية لحماية رجال الأمن المعرضين للموت

وتعالت الأصوات المنادية بضرورة تعديل فصول عديدة من نص هذا القانون، فقد طالب حقوقيون وسياسيون ورجال قانون بتعديل الفصل 13 بما يتناسب مع الاتفاقيات الدولية والبروتوكولات المتعلقة بالإرهاب وتعديل الفصل 67 الذي يعطي للقاضي سلطة تقديرية واسعة تمكنه من القيام بجلسات مغلقة وغير علنية.

ورغم التحفظات المسجلة والثغرات الموجودة إلاّ أن قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال يعدّ آلية ناجعة ستساعد السلطات على مقاومة ظاهرة الإرهاب المستفحلة ودرء مخاطرها المتنامية. وهذا ما أكده الصحبي الجويني، المكلف بالشؤون القانونية في الاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي، في تصريحات لـ”العرب”، حيث اعتبر أن قانون مكافحة الإرهاب سيمكّن وحدات الشرطة من أداء مهامها بنجاح وسيساعدها على احتواء أعمال العنف الممنهجة، كما يمثل حسب رأيه آلية لحماية رجال الأمن المعرّضين للموت في كل لحظة وضمان حقوقهم.

وأفاد الجويني أن نقابات الأمن في تونس تطالب بضرورة الإسراع في تفعيل القانون نظرا إلى أهميته في وقت تزايدت فيه مخاطر المجموعات والكتائب المتشددة في كامل أنحاء البلاد.

وأكد أن هذا القانون خاضع لمزايدات سياسية بامتياز، داعيا نواب البرلمان إلى المصادقة عليه حتى يدخل حيّز التنفيذ وحتى يتمكن رجال الأمن من التصدي للإرهابيين وذلك مثلا بإطلاق النار على كل سيارة لا تلتزم بأوامر الشرطة وترفض التوقف.

يشار إلى أن نقابات أمنية أساسية وجهوية نظمت وقفة احتجاجية، أمس الأول، أمام مقرّ مجلس نواب الشعب، لمطالبة الحكومة بالإسراع في سن قانون الإرهاب لحماية رجال الأمن والجنود ضد جرائم الإرهاب، كما دعا المشاركون في المظاهرة التي أُطلق عليها اسم “يوم الغضب”، إلى تسليم رجال الأمن والشرطة أسلحتهم الفردية خارج أوقات العمل ودون شروط أو قيود لأنّ حياتهم وحياة عائلاتهم أصبحت مهددة من قبل العناصر الإرهابية المنتشرة في كل مكان.

ويبقى قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال رهانا مطروحا على الحكومة المقبلة وعلى البرلمان الذي من واجبه التعجيل بالمصادقة عليه بعد تعديله وجعل فصوله تستجيب للمعايير الدولية خاصّة فيما يتعلّق بتعريف النشاط الإرهابي.

2