قانون مكافحة الطائفية مشروع فتنة جديدة في مصر

عاد الحديث عن الفتنة الطائفية في مصر من جديد في ظل تنامي هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة رغم محاولات التعتيم. وقد تكون هذه المسألة مجرد حالات عابرة يتم استغلالها لغايات خاصة بأطراف معينة، ولكن رغم ذلك باتت الحاجة إلى سن قوانين في الغرض أو تفعيل ما تم وضعه من نصوص سابقا حاجة ملحة في مصر اليوم.
الأربعاء 2016/03/09
هل يكون الأقباط مدخلا للطائفية في مصر

القاهرة – أثار مشروع قانون لـ “مكافحة الفتنة الطائفية” في مصر، قدمه ما يسمى بـ “ائتلاف أقباط مصر” لمعالجة حدوث الأزمات الطائفية، ردود أفعال واسعة، عقب طرحه للمناقشة داخل مجلس النواب.

مراقبون للشأن القبطي أكدوا أن التركيز على مثل تلك القوانين في هذا التوقيت يمكن أن يثير شكوكا حول كتلة النواب الأقباط في البرلمان (39 عضوا) ونواياهم، وعرضهم لاتهامات بمساندة قضايا الأقباط على حساب القضايا القومية التي تهم جميع المواطنين، وربما تمتد أصابع الاتهام لتنال من الكنيسة المصرية نفسها، واتهامها بأنها تقف خلفهم.

وأكد محللون سياسيون أن هناك العديد من المستجدات طرأت على المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير 2013، من بينها اتجاه البعض إلى العنف وإشعال الفتن، ما جعل مسألة سن قانون يكافح الفتن الطائفية حاجة ملحة لوقف فتيل هذه الآفة ومزيد تطورها.

وكانت بداية العمل على صياغة هذا المشروع قد انطلقت مع نهاية 2013، من قبل “ائتلاف أقباط مصر”، وبعد التوصل إلى مسودة أولية للقانون، بناء على علاج أسباب تكرار الأزمات الطائفية، تمّت صياغة المسودة الثانية من قبل اللجنة القانونية للائتلاف.

وقام المستشار رمسيس النجار بوضع الصيغة النهائية له، وإرسال نسخة إلى رئاسة الجمهورية مرتين، الأولى في عهد المستشار عدلي منصور الرئيس السابق لمصر، والثانية بعد 60 يوما من تولي الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي.

قانون جدلي

تهتم المواد المدرجة داخل مشروع القانون بالمواطنة والمساواة وتنظيم إجراءات التحول الديني وتجريم التهجير القسري وبناء دور العبادة ثم تدريس مادة إجبارية للوحدة الوطنية وتشكيل لجنة مراقبة للقانون ومادة أخيرة للعقوبات.

وذكر فادي يوسف مؤسس الائتلاف أنهم وضعوا جدولا زمنيا مدته ثلاثة أشهر حتى يتم طرح مشروع القانون داخل مجلس النواب مع بداية النصف الثاني من هذا العام.

الفجوة بين النص كمشروع نظري وتطبيقه هي المشكلة الحقيقية، وهو ما يحتم التوجه نحو تفعيل القوانين الحالية

ورغم تأكيد مؤسس الائتلاف في بيان له أن هناك ترحيبا من عدد من نواب البرلمان والشخصيات العامة، ومن قبل الكنيسة والأزهر بهذا المشروع، إلا أنه تم رصد جملة من التحفظات بشأن عدد من نصوص القانون.

الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، هاجم في تصريح له “ائتلاف دعم مصر”، مؤكدا أن ظهور قوانين تم وضعها على أسس دينية “ردة سلفية جديدة في المجتمع”.

وأضاف أن المجتمع المصري لا يحتاج قوانين الفتن الطائفية، لأنها موجودة، وفي حال الحاجة إلى تشريعات جديدة، فإن هناك قواعد يتم اتباعها في مثل هذه المسائل وتتولاها جهات رسمية في الدولة تستطيع إعداد المشروعات بشكل أفضل، على غرار وزارة العدل ومجلس الدولة، ومن ثم طرحها على مجلس النواب، على خلاف الطريقة التي تم بمقتضاها عرض هذا المشروع.

ومعارضة القانون المزمع طرحه لم تقتصر على الأزهريين وبعض النواب فقط، بل شملت بعض الأقباط المهتمين بالشأن المصري ككل، حيث أعربت مريم ميلاد عضو حركة ما يسمى “أقباط مضطهدون” عن عدم رضاها عن تقديم مشروع قانون ينص على وضع عقوبات خاصة بمشكلات الفتنة الطائفية، ودعت في تصريح لـ “العرب” إلى عدم تنمية العنصرية بقوانين، وضرورة العمل على تفعيل قانون العقوبات الحالي في مثل تلك الأمور كحل بديل.

ويعتقد الباحث سامح فوزي أن القوانين الحالية تحارب الفتنة الطائفية، وأن دستور 2014 يحتوي على العديد من المواد التي تجرم التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الدين أو اللغة، كما تؤكد ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية. لكن الفجوة الحاصلة بين النص كمشروع نظري وتطبيقه هي المشكلة الحقيقية، وهو ما يحتم التوجه نحو تفعيل القوانين الحالية ومواد الدستور بدلا من إصدار تشريعات جديدة، على حد تعبيره.

وأكد لـ “العرب” أن مثل هذه القوانين لن تكون مجدية دون وجود إرادة سياسية ومجتمعية لمواجهة الفتنة الطائفية.

لكن علاء أبو العينين (محام)، أكد غياب تشريعات تكافح الفتن الطائفية، مشيرا إلى أن النصوص الموجودة مضمنة داخل قوانين سابقة، في حين أن المشروع الحالي المطروح خاص بالفتن الطائفية، وأكثر تحديدا، حتى أنه عد أفضل على مستوى التطبيق وخاليا من الثغرات التي يمكن التلاعب بالقضية من خلالها.

سمير مرقص: الفتنة الطائفية في مصر تعود إلى عوامل سياسية ومجتمعية، وهي قضية مفتعلة

وأيدت هذا الرأي آمنة نصير أستاذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر وعضو البرلمان المصري، وأحد النواب الموافقين على القانون المطروح للمناقشة لما يتضمنه من عقوبات مشددة، وبما يكفله من تحقيق للمساواة بين المواطنين وعدم التمييز لاعتبارات دينية، ومنع التهجير القسري للمواطنين الأقباط، كما حدث من قبل في بعض قرى الصعيد وسيناء.

وأوضحت لـ “العرب” أنه عادة ما يتم التعامل مع المشكلات الطائفية بأسلوب “المسكنات”، ففي أعقاب كل حادثة طائفية يكون رد فعل الدولة والمؤسسات الدينية تكرارا لما سبق، والعمل على تهدئة الحرائق دون معالجة أسبابها الحقيقية.

وأكد مصدر قبطي في تصريحات لـ “العرب” أن القانون لمس مواطن الخلل الحقيقية داخل المجتمع المصري، لأنه يواجه للمرة الأولى أزمات التحوّل الديني التي تتسبب في أكثر من 70 في المئة من المشاكل الطائفية الكبرى بمصر.

مواجهة ثقافية ومجتمعية

تحدد المادة الرابعة من القانون سن التحول الديني بـ21 عاما، حيث يجب أن يكون الشخص بالغا عاقلا، ولا يجوز لمن لم يبلغ السن المحدد قانونيا أن يتخذ قرارا بتغيير ديانته في مصر، فليست له أهلية قانونية بعد.

أحمد همام، عضو مجلس النواب المستقل، أكد لـ “العرب” أن مشروع قانون الفتنة الطائفية يضم مواد جدلية سوف تثير انقساما مجتمعيا، مثل حرية التحول الديني وربطها ببلوغ سن الرشد.

أيده أحمد شوقي أستاذ الدراسات المستقبلية، حيث أكد أن قوانين الفتنة الطائفية وغيرها سوف تثير جدلا لن يفيد المجتمع. وأوضح لـ “العرب” أن أولويات مجلس النواب الجديد هي إصدار تشريعات تحقق مطالب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، ومن المهم أن تركز تلك التشريعات على دعم حقوق المصريين ككل مسلمين ومسيحيين وعدم التمييز بينهم على كافة المستويات وليس المستوى الديني فقط.

ويرى الباحث سمير مرقس أن الفتنة الطائفية في مصر تعود إلى عوامل سياسية ومجتمعية، وأنها قضية مفتعلة تحركها دوافع وأغراض سياسية لبعض التيارات والجماعات التي تريد تفكيك تماسك المجتمع المصري وإحداث الشرخ بين عنصريه المسلم والمسيحي.

ولفت إلى أن الفتنة الطائفية تثار بشكل موسمي، فمنذ عامين لم تشهد مصر حوادث طائفية عنيفة، مقارنة بفترة ما بعد ثورة يناير التي شهدت بروز قوى دينية سعت لتوظيف المسألة الدينية لتحقيق أغراض سياسية مثل الهجوم على الكنائس أو التمييز ضد بعض الأقباط.

وقال لـ “العرب”، “إن وجود بعض المشكلات الطائفية في مصر يرتبط بموروثات ثقافية قديمة متراكمة لدى البعض وفي بعض المناطق خاصة في صعيد مصر، وتحتاج إلى مواجهة شاملة مجتمعية وسياسية وثقافية واقتصادية وليست قانونية”.

لكن هناك من يرى أن المواجهة المجتمعية والثقافية لمشكلات الفتنة الطائفية والتمييز لن تجدي وحدها ما لم تكن مصحوبة بوجود إرادة قوية من جانب الحكومة، واستعادة هيبتها التي تراخت نتيجة الخضوع للأعراف المجتمعية وجلسات الصلح في أعقاب حوادث الفتن الطائفية. والسائد أن المعالجات العرفية دون القانونية وغياب سلطة الدولة، من العوامل التي تشجع على تكرار حوادث الفتنة الطائفية.

6