قانون منع الاتجار بالبشر يمهد الطريق أمام غلق المواخير في تونس

تمرير قانون منع الاتجار بالبشر الذي يعد مكسبا لتونس سيمهد الطريق أمام غلق المواخير ومن ثم التحول من البغاء المقنّن والعلني إلى البغاء السري.
الاثنين 2016/10/10
من أمام ماخور العاصمة تونس

تونس - بدأ الجدل حول المواخير في تونس يتأجّج بعد المصادقة على قانون منع الاتجار بالبشر منذ أشهر قليلة، وما رافق ذلك من حملات ممنهجة من قبل الإدارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بإدارة الشرطة العدلية، ضدّ عاملات الجنس بماخور تونس العاصمة.

وقامت الإدارة الفرعية للوقاية الاجتماعية والتي تشرف على ملفّ المواخير بطرد عشرات العاملات من ماخور العاصمة الواقع في نهج “عبدالله قشّ”، وهو أحد الأولياء الصالحين في تونس، دون الأخذ بعين الاعتبار ظروفهن الاجتماعية والماديّة.

وتتعرّض عاملات الجنس في “عبدالله قشّ” واللاّئي قمت بإجراء مقابلات معهنّ بعد الحصول على موافقة رسمية من قبل وزارة الداخلية في إطار القيام ببحث علميّ حول البغاء المقنن في تونس، لمضايقات إدارية وصلت إلى حدّ التهديد بالطرد وتلفيق تهم لهنّ لشطبهنّ نهائيا من الملف الخاص بالشرطة العدلية.

ولا تتمتع عاملات الجنس في تونس، رغم وجود قانون واضح ينظّم عملهن، بالتغطية الاجتماعية (مطلبهن الأساسي)، وكنّ منذ عهد البايات مصدر دخل للدولة نظرا إلى التزامهنّ أكثر من غيرهن بدفع الضرائب؛ فدولة الباي والداي خيّرت تنظيم البغاء وتجارة الخمر وإدخالهما في المنظومة الاقتصادية للبلاد بدل تجريمهما.

ولم يكن البغاء في تونس وقت الاحتلال خاضعا لأي منطق ديني أو أخلاقي، بل كان من الأنشطة المحايدة الخاضعة لإدارة الدولة.

وقامت سلطات البلاد، في إطار مكافحة الأمراض التناسلية في ذلك الوقت، بوضع إطار قانوني خاص ينظّم البغاء. وقبل صدور المرسوم المؤرّخ في 30 أفريل 1942 والذي يتكون من أكثر من 50 فصلا حول شروط تنظيم عمل المومسات (مصطلح قانوني) والذي مازال العمل به جاريا إلى اليوم، تمّ إصدار قرار في 12 مارس 1889 يقرّ الوجود القانوني لعاملات الجنس في تونس ومن مختلف الجنسيات والأديان رغم وجود تمييز ضدّ المسلمات اللاّئي لا يُسمح لهنّ بدخول ماخور “عبدالله قشّ” المخصص لليهوديات فقط، كما لا يُسمح لهنّ بقبول زبائن من غير دينهنّ.

عاملات الجنس اللائي تحدّثت إليهن بفضول وتحدّثن إليّ بهستيريا يعانين الفقر والاضطهاد والعنف أكثر من غيرهنّ.

وهن خاضعات لنظام إداري بيروقراطي؛ ليس من حقهنّ الخروج إلاّ بترخيص رسميّ ويتمّ طردهنّ خارج الماخور بسبب أو دونه ليجدن أنفسهنّ دون مأوى أو سند وعرضة لاستغلال شبكات الاتجار بالبشر.

وبشهادة منهنّ أكّدن لي أنه خلال الاستحقاقات الانتخابية التي عاشتها تونس بعد الثورة شاركن في الترويج لهذا الحزب أو ذاك بهدف تحسين ظروفهن، حيث قالت لي إحداهنّ وهي مالكة ماخور سابقة جرّدت من رخصة العمل مؤخرا، “في الانتخابات التشريعية الأولى كنت أوزع منشورات لحركة النهضة وأشجع الناس الذين أعرفهم كي ينتخبوها لأني ظننت أن قادتها يخافون الله وسيحسّنون ظروفنا لكنهم بعد أن صاروا في الحكم ضغطوا علينا وفرضوا علينا نظام عطل جديد”.

وبدأ الحديث عن إغلاق المواخير في تونس قبل المصادقة على قانون منع الاتجار بالبشر بسنوات، فأول ظهور للجماعات السلفية كان ذات جمعة بعد أشهر قليلة من ثورة 14 جانفي 2011 عندما شنوا هجوما عنيفا على ماخور العاصمة بالمدينة العتيقة، مطالبين بإغلاقه بتعلّة حماية “الآداب العامّة” استنادا إلى الشريعة الإسلامية.

وقام “أسود السنّة” بالهجوم على أغلب المواخير في تونس التي أغلقت أبوابها دون أن تتدخل الدولة لحماية العاملين فيها والذين تعرّضوا إلى الهرسلة وكل أنواع المضايقات. ولم يتبق سوى ماخور صفاقس وماخور العاصمة وهما في طريقهما نحو الإغلاق خاصة بعد تمرير قانون منع الاتجار بالبشر وتصاعد دعوات المنظمات النسوية إلى إغلاق هذه المواخير الشاهدة على تاريخ تونس.

وصادق مجلس نوّاب الشعب، خلال جلسة عامة وبحضور وزير العدل عمر منصور والوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات، في 21 جويلية الماضي، على مشروع قانون أساسي عدد 2015/29 متعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته.

ويهدف هذا القانون إلى منع كل أشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرض لها الأشخاص، وخاصة النساء والأطفال، ومكافحتها بمنع الاتجار بهم وزجر مرتكبيه وحماية ضحاياه ومساعدتهم. كما يهدف إلى دعم التعاون الدولي في مجال مكافحة الاتجار بالأشخاص في إطار الاتفاقيات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية.

وبحسب القانون نفسه فإنه يعد اتجارا بالأشخاص استقطاب أو تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو تحويل وجهتهم أو ترحيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم باستعمال القوة أو السلاح أو التهديد بهما أو غير ذلك من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الحيلة أو استغلال حالة استضعاف أو استغلال نفوذ أو تسليم أو قبول مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر وذلك بقصد الاستغلال أيا كانت صوره سواء من طرف مرتكب تلك الأفعال أو بوضعه على ذمة الغير لاستغلاله.

ويشمل الاستغلال، استنادا إلى الفصل الثاني من القانون، استغلال بغاء الغير أو دعارته أو غيرهما من أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول ونزع الأعضاء أو الأنسجة أو الخلايا أو الأمشاج أو الأجنة أو جزء منها أو غيرها من أشكال الاستغلال الأخرى.

وقبل المصادقة على قانون منع الاتجار بالبشر انخرطت تونس في المنظومة الدولية الحقوقية لمكافحة هذه الظاهرة عبر المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة “لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية” بمقتضى القانون عدد 63 المؤرخ في 23 جويلية 2002 وصادقت عليها تونس بموجب الأمر عدد 2101 المؤرخ في 23 سبتمبر 2002.

كما وضع المشرّع التونسي في المجلة الجزائية العديد من الفصول المتعلقة بمنع الاتجار بالبشر مثل تجريم البغاء خارج الأطر القانونية والتحريض عليه (من الفصل 231 إلى الفصل 235) والمتجارة بالأطفال والجرائم الجنسية مثل الاغتصاب (من الفصل 227 إلى الفصل 229) والتحرّش الجنسي (الفصل 226).

ورغم غياب إحصائيات دقيقة عن الاتجار بالبشر فقد أصدرت وزارة الداخلية أرقاما سنة 2015 حول الظاهرة. وكشفت أنه من أهم أشكال الاتجار بالبشر استغلال النساء لأغراض جنسية، حيث تمّ رصد 500 حالة استغلال جنسي في السنة نفسها.

وفي سنة 2013 قامت المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع وزارة العدل التونسية وبتمويل من وزارة الخارجية الأميركية بإعداد دراسة خلال أربعة أشهر حول الاتجار بالبشر في تونس. وأفادت الدراسة بأن الأطفال والنساء هم الأكثر عرضة لمخاطر الاتجار بالبشر باعتبارهم ينتمون إلى الفئات المستضعفة التي تضم أساسا الفقراء والعاملات بالمنازل اللاّئي يتمّ استغلالهن من قبل “سماسرة” هدفهم الوحيد هو الربح الماديّ.

4