قانون منع تعدد الزوجات في تونس ثابت رغم الدعوات المتجددة لإلغائه

بعد صعود وتيرة التشدد الديني في تونس عقب الثورة وجدت المرأة التونسية نفسها من جديد في موقع الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها التي ضمنتها لها قوانين مجلة الأحوال الشخصية منذ الاستقلال وبين الخشية من الرجوع إلى الوراء والتقدم نحو تحقيق المساواة دافعت التونسيات من مختلف الفئات الاجتماعية على قانون منع تعدد الزوجات الذي أثاره مؤخرا سفير تونس السابق لدى قطر بدعوته إلى السماح بتعدد الزوجات في تونس.
الأحد 2015/10/11
حركة النهضة اضطرت راغمة على القبول بقوانين مجلة الأحوال الشخصية بعد الحملة الشرسة التي شنها المجتمع المدني والنساء في تونس

تونس - كشفت أولى “ثورات الربيع العربي” عن وجه جديد لتونس اتسم بتعدد الاتجاهات والمطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى حد التناقض بين فئات اجتماعية تتبنى التفكير الديني المتشدد وأخرى تدافع عن الوجه الحداثي لتونس.

وبلغ هذا التناقض حد الصراع تحت قبة المجلس التأسيسي بين ممثلين للتيارات الإسلامية المحافظة والممثلين لبقية التيارات السياسية خلال الفترة التي سبقت المصادقة على الدستور التونسي الجديد خاصة فيما يتعلق بمجلة الأحوال الشخصية وما تضمّنته من حقوق للمرأة يأتي على رأسها قانون منع تعدد الزوجات.

موجة حرية التعبير أيضا شجعت المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية على القيام بخطوات عديدة في سبيل تحقيق مطالبهم بإلغاء ما ورد في مجلة الأحوال الشخصية من فصول تهم حقوق المرأة يرونها متناقضة مع الهوية العربية الاسلامية لتونس وعلى وجه الخصوص القانون الذي يجعل تعدد الزوجات “مخالفة” يعاقب القانون الرجل عليها بالسجن. وهو ما جُوبه برفض واسع من مختلف مكونات المجتمع المدني التونسي ومن عديد الأحزاب وخاصة من المرأة التونسية التي تمسها هذه المسألة في أهم مكتسباتها وحقوقها داخل الأسرة والمجتمع.

وأثار نشر سفير تونس السابق لدى قطر أحمد القديدي مقالا في صحيفة قطرية الخميس الماضي دعا فيه إلى السماح بتعدد الزوجات في تونس منددا ببعض البنود الواردة في مجلة الأحوال الشخصية ردود فعل ساخرة من قبل التونسيين في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

فالقانون التونسي يمنع منعا باتا تعدد الزوجات بموجب الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية، المنقح بالقانون عدد 70 لسنة 1958 والذي ينص صراحة على منع تعدد الزوجات، كما يترتب على مخالفة هذا القانون عقوبات جسدية ومالية حسب الفقرة الثانية منه.

ومنذ اعتماد هذا القانون في الدستور التونسي في الخمسينات لم تطرح مسألة منع تعدد الزوجات كقضية في الشأن التونسي بل مثلت مصدر فخر للتونسيات من ناحية حفظ كرامتهن وحقوقهن الأسرية.

لكن صعود التيارات الدينية ممثلة في حركة النهضة الإسلامية وانتشار الفكر الديني المتطرف لدى فئات معينة من التونسيين جعلت منها قضية وتطفو على الساحة السياسية التونسية على أنها قضية هوية حيث يعتبر حاملو هذا الفكر أن هذا القانون يقدم مثالا حيا عن انسلاخ تونس عن هويتها الإسلامية لعدم تطبيقها للشريعة الإسلامية التي تمنح للرجل الحق في الزواج بأربع نساء.

منذ اعتماد هذا القانون في الدستور التونسي في الخمسينات لم تطرح مسألة منع تعدد الزوجات كقضية في الشأن التونسي بل مثلت مصدر فخر للتونسيات من ناحية حفظ كرامتهن وحقوقهن الأسرية

ويعلل هؤلاء موقفهم الرافض لهذا القانون بأنه يقف وراء عديد المشاكل الاجتماعية في تونس لا سيما ارتفاع نسب الطلاق ونسب العنوسة وهي من بين الحجج التي استند عليها الدبلوماسي التونسي السابق في مقاله الصحفي حيث يقول: “نجد مع الأسف أن بلادنا تحتل المرتبة الأولى في نسبة الطلاق والمرتبة الأولى في نسبة العنوسة والمرتبة الأولى في نسبة الأمهات العازبات والمرتبة الأولى في نسبة الإجهاض غير المبرر بالإضافة إلى المراتب المتقدمة في التفكك الأسري".

كما استند أحمد القديدي في دعوته للسماح بتعدد الزوجات إلى حالة المرأة العاقر التي يجد الزوج نفسه مضطرا ليطلقها “للضرر” حسب المشرع التونسي لينجب وأنه أحيانا تكون هذه الزوجة راغبة في البقاء على ذمّة الزوج فإذا بهذا القانون يحول دون رغبتهما وفي ذلك حسب رأيه ظلم للمرأة وليس انصافا لحقوقها. ورغم أن مثل هذه الحالة نادرة في المجتمع التونسي إلا أن القديدي ذكرها للتدليل على أن قانون منع تعدد الزوجات يضر المرأة.

ولم يغب عن الدبلوماسي السابق أن ينتقد سياسة الزعيم الحبيب بورقيبة الاجتماعية التي أدت إلى قيام مجتمع في تونس شبه منسلخ عن هويته بسبب الإفراط في جلب قوانين غربية وعلمانية “متطرفة” لتطبيقها على المجتمع التونسي.

وكانت حركة النهضة قد اضطرت راغمة على القبول بقوانين مجلة الأحوال الشخصية بعد الحملة الشرسة التي شنّها المجتمع المدني في تونس ضد أيّ مساس بجوهر المجلة ولا سيما فيما يتعلق بمسألة تعدد الزوجات بعد خروج عدد كبير من التونسيين للتظاهر من أجل حرية المرأة في الذكرى 57 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية. وهذا الموقف وضع حركة النهضة نفسها في مرمى الانتقادات من التيارات الإسلامية المتشددة داخل تونس وخارجها.

لكن رغم هذا الجدل الحاد حول قضية تعدد الزوجات في تونس إلا أن مجلة الأحوال الشخصية وفصل منع تعدد الزوجات حسم المسألة قانونيا وهو ما يزال ساري المفعول، وكل الحراك والنقاشات التي دارت حوله في الأوساط السياسية والاجتماعية لم تلحق به أيّ تغيير لأنه لا يعد مكسبا للمرأة التونسية فحسب بل هو مكسب للأسرة التونسية إذ يساعدها على تحقيق التوازن بين أفرادها. وهو مكسب للمجتمع التونسي ولا يمكن أن يكون السبب الرئيسي في الظواهر الاجتماعية مثل الطلاق والعنوسة والانحراف والأمهات العازبات لأن المجتمعات العربية التي تطبق تعدد الزوجات تعاني بدورها من نفس الظواهر بل أحيانا بنسب أكثر ارتفاعا من تلك التي تسجلها تونس.

20