قاهرة علاء الديب

الأحد 2018/01/21
علاء الديب ممثل للإنسان المديني

فى رواية "القاهرة" لعلاء الديب، التي كُتبت سنة 1964، تظهر القاهرة بمظهر خانق، لا يتوافق مع صورة قاهرة الستينيات من القرن العشرين والتي تحولت إلى أيقونة، خصوصا في حفلات أم كلثوم وجمهورها، اللذين يوحيان لك بأن هناك أناقة وفرحا في الشارع وفي الروح، وأن الحدود بين الناس ملآنة بالورود.

كانت هناك “قاهرة” أخرى لم يتكلم عنها أحد. قاهرة أوج النظام الشمولي، قبل هزيمته، الذي وإن لم يستول كلية على المجال العام الذي يتحرك فيه الناس، إلا أنه قد استولى بقوة على المجال الشخصي والنفسي لهم، وحولهم لأشخاص مُستلبين من قوى كبرى سواء كانت النظام، أو تبدياته في الحياة اليومية والشخصية، أو من المدينة نفسها التي تحولت لنص دعائي.

هناك شيء قاهر يقف لهم بالمرصاد، وليس غريبا أن يلعب علاء الديب باسم “القاهرة” كاسم وكصفة. في قاهرة علاء الديب تظهر الضوضاء والزحام والزبالة في الشوارع. قاهرة ما بعد ثورة 52 التي بدأت تفرض شخصيتها على سكانها، وتصبح لها سمات نفسية حادة تورثّها لهم.

هنا يظهر علاء الديب كممثل للإنسان المديني الذي يتعامل مع مدينته ككتلة حية وليس كتصور سياسي أو نص دعائي مجرد، كما سيحدث القاهرة فيما بعد هزيمة 67. تلك الهزيمة التي حولت المدينة/القاهرة إلى “مركز″، كرد فعل وانتقام على الهزيمة التي قامت بتهميشها.

هذه “المركزية” بدأت تتشكل بعد ثورة 52، مع بداية تشكل النزعة القومية التي أصبحت سمة المدينة والمتحدثين عنها ورواتها فيما بعد. كان علاء الديب في هذه الرواية الصغيرة يقف موقفا مختلفا، لم يسيّس المدينة، وشعر بهزيمتها، في أوج انتصارها وزهوها، وانفصالها عن الجسد الحي الذي يعرفه عنها.

في رواية ” القاهرة” لم يكن للمدينة “مركز″ محدد يؤطر ضياع البطل، لأنه لم تكن هناك “مركزية” تم صياغة خطابها، كما حدث في الأدب بعد ذلك. لأن أبطاله لم يكن لهم توصيف محدد سوى أنهم أناس عاديون، قبل أن يدخل “البطل المثقف والهامشي” بحمله الثقيل وهزائمه المتكررة الرواية المصرية، ويؤسس له مركزا هامشيا محاصرا، بعد هزيمة 67. تلك الهزيمة التي أثرت على مسار الأدب المصري وأدخلته في حالة دونية ذاتية، أو بمعنى آخر تم اختزال وحصر المنتوج الأدبي ومجاله لخدمة هذه الروح التي هُزمت.

الأبطال في "قاهرة علاء الديب" يتحركون بحرية داخل حدود قاهرة الستينات من القرن الماضي، من الدقي للعتبة لباب اللوق للكورنيش لشبرا

الأبطال في “قاهرة علاء الديب” يتحركون بحرية داخل حدود قاهرة الستينات من القرن الماضي، من الدقي للعتبة لباب اللوق للكورنيش لشبرا. إنها الحدود المدينية لقاهرة الستينات، التي لم تدخلها بعد العشوائيات وضواحيها ولم تدخلها التمايزات الطبقية الحادة التي جاءت مع توسع القاهرة. كان هناك شبه مدينة متجانسة.

غياب المركز المحدد في المدينة، أو امتداد المدينة جغرافيا في عين الكاتب، وسَّع من نموذج البطل، لم يجعله نموذج البطل الهامشي الذي أصبح سمة في الأدب بعد هزيمة 67. بل كان ذلك الشخص العادي الذي يرى القاهرة من شباك وظيفته في الطابق الثالث في المتحف الزراعي في الدقي، وأيضا من سقف أحلامه الواطئ. نعم البطل مهمش بحجم القهر الذي يحوطه، ولكنه مازال يملك المدينة المتجانسة بكاملها ليتحرك فيها. كان المجال العام لا تزال به فراغات ومساحات لحركة الأبطال ولنزواتهم وجموحهم الشخصي.

لم يكن البطل، في رواية “القاهرة” أديبا أو مثقفا أو سياسيا أو مؤرقا وجوديا، بالمعنى الذي ظهر بعد هزيمة 67، وأصبح الانكسار سمة أساسية له، ومن ثم أصبح له مكان مركزي/هامشي بجانب المدينة، أو امتداد لها، أو في قلبها، ولكنه مسور بحماية جغرافية أو نفسية؛ يصعب أن يخرج منه؛ مثل “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان.

على العكس، كان يأس وانكسار بطل علاء الديب أكثر تبكيرا وحدسا بالهزيمة الآتية، ولم يكن له هامش/مركز يحميه. لا يزال يتحرك في المدينة بحرية ولم يُطرد بعد من قلبها، أو يحتل قلبها في ذاكرته. برغم يأس بطل علاء الديب إلا أنه كان ينثر يأسه هذا على جغرافية المدينة، ويتنقل به من مكان لمكان. ربما لكي لا يركز اليأس في مكان واحد مقدس. وكذلك لكي ينثره على المدينة بكاملها، كي تصبح هي صورة ليأسه وهزيمته، أو يصبح هو صورة ليأسها وهزيمتها. هناك علاقة قربى ونسب وتبادل حميم بين البطل والمدينة. ربما هي امتداد للفكرة الأبوية، أو إحدى تجلياتها.

البطل في الخامسة والثلاثين. ولكنه يتكلم بسن من انتهت حياته واتضح كل شيء في المستقبل. ربما هنا يُرجِع الكاتب السبب للمدينة، التي أفرغت بطلها العادي من كل طموح سياسي أو اجتماعي، أو شخصي. من قطف عمر هذا الشاب مبكرا؟ لم تكن الهزيمة أتت بعد، كانت لا تزال أمامها ثلاث سنوات.

ربما المدنيّة، أو الحداثة، أو أشكال الحياة الحديثة ومساوماتها، ربما المسئولية التي لم تعد تتحملها فردانية الإنسان الحديث، ربما النظام الشمولي الجمعي الذي كان يحكم وقتها. جميعها قطفت عمر هذا الشاب، وجميعها إحدى صور انتهاء عصر الأبوة.

هناك عصر جديد يضع الابن وحيدا في مركز الثقل في الحياة، الذي يدفعه لكي يهرم مبكرا. ربما الرواية تدور حول انفصال قسري عن عالم الأبوة الحميم. تذكرنا من بعيد بأبطال نجيب محفوظ قبل أن يختفي سؤالهم الوجودي، أو تتوقف رحلة بحثهم عن معنى للحياة؛ ويتعقد ويصبح مبهما وغامضا عليهم.

الجزء الطارئ على هذا التجوال الحر للبطل في مدينته، هو لحظة الذهاب للمقابر لدفن أخيه. هناك شعر أنه خارج عقل المدينة، خارج مركز القهر، فاستيقظت غرائزه ودبر المؤامرة التي ستودي بحياته وبحياة خليلته. ربما الحرية الخاصة للفرد تتأكد هنا عندما تخرج عن سيطرة المدينة الإله العقل المراقب لتصبح أنت الإله، كما يذكر البطل في الرواية، وتقرر مصيرك بنفسك، وتضع خططك لنفسك، وتنتقم منه في صورتك.

في حوار ممتع أجريته مع الأستاذ علاء الديب حول سنوات الجامعة، شرح لي كيف كان تجواله في قاهرة خمسينات القرن العشرين، قاهرته التي أحبها. كان يسير في “مناخ ساج”، كما يصفه بدقة، في طريقه للجامعة. تشعر في حديثه بأن الكون كله متسق معه في سيره اليومي. برغم كل الزخم السياسي لقاهرة الخمسينات إلا أنها لم تكن حائلا لشعوره بالاتساق والتوحد مع نفسه، كانت المدينة لازالت كتلة حية بالنسبة إليه ولم تتحول بعد إلى قاهرة مسيطرة، أو إلى نموذج أبوي بالمعنى الفرويدي الذي تود قتله والتخلص منه أو الهرب.

كانت القاهرة وقتها لها نظام أبوي حان في نظر علاء الديب، وهي أيضا نظرته للأبوة، كما حكى لي في علاقته بأبيه، نوع من التقدير وليس الصدام. هذا الإحساس الأبوي بقاهرة الخمسينات من القرن الماضي بالمدينة سيفقده بطله بعد ذلك خلال سيره في قاهرة الستينيات من القرن نفسه، ربما بضغط الحس الأبوي الشمولي الذي كان يفرضه نظام عبد الناصر.

دائما ما نلتقي في الإسكندرية في غرفته بفندقه المطل على البحر، وهناك يحدثني عن مرسى مطروح، المكان الذي يبعد كثيرا عن قاهرته. الإسكندرية ومطروح هما قاهرته الجديدة/القديمة التي يستعيد فيهما حالة الاتساق والتفاعل الحي. لم يعد هناك مركز للإلهام إلا بعيدا. ولكن تظل الروح الساجية التي امتلكها الأستاذ علاء الديب والتي فرشت ظلالها ومحبتها على الجميع، والتي جعلته ينظر لحياته وللآخرين من مكان ظليل، كأنه كان يسير في نزهة طويلة امتدت لعشرات من الأعوام.

كاتب من مصر

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13