"قايتباي" القلعة التي تروي تاريخ مصر البحري

الاثنين 2014/02/24
قلعة قايتباي التي تحرس مصر من ثغرها الشمالي تروي لزائريها حكايات الغزاة

الإسكندرية - من القلاع التي بقيت إلى اليوم شاهدة على قوة الحضارة الإسلامية، قلعة السلطان “قايتباي” القائمة على ثغر الإسكندرية، تحمي بوابة مصر البحرية فيما مضى من الزمن. وقد أُنشئت هذه القلعة في عهد السلطان الملك أبو النصر “سيف الدين قايتباي الظاهري”.

وتعتبر قلعة قايتباي في الإسكندرية من أهم القلاع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد أُقيمت في مكان منار الإسكندرية القديم عند الطرف الشرقي لجزيرة “فاروس” على مدخل الميناء الشرقي، وذلك بعد هدم المنار إثر زلزال ضرب المدينة عام 702هـ أيام السلطان محمد بن قلاوون.

وقد نالت القلعة عناية كبيرة على مر العصور نظرا لأهميتها العسكرية. فحين تولي المماليك الحكم أمر السلطان “قنصوه الغوري”، بزيادة قوة الحامية والعتاد والسلاح حين أحس بالخطر العثماني، وأن يعاقب بالشنق كل من يخالف أوامر السلطان. وبعد نجاح العثمانيين في دخول مصر، اهتم العسكريون العثمانيون بالمحافظة عليها وجعلوا فيها طوائف من الجند والمشاة والفرسان وجماعة من نافخي الأبواق والمعماريين، لكن بضعف الدولة العثمانية وتهاوي الباب العالي، فقدت القلعة أهميتها ولم تعد مثل السابق.

وأثناء الحملة الفرنسية على مصر سقطت القلعة في أيدي جنود نابليون بونابارت، نتيجة لضعف حاميتها، ما دفع “محمد علي باشا” لتجديد مباني القلعة المتصدعة وزودها بالمدافع الساحلية. لكنها عادت إلى حالة التصدع والدمار، حين ضرب الأسطول الإنكليزي الإسكندرية عام 1882م، فأحدث تخريبا شاملا في القلعة، حيث دمرت الواجهة الغربية عن آخرها وظلت القلعة مهملة إلى عام 1904، حيث جذبت المهتمين بالآثار الإسلامية في مصر وعملت فيها يد الإصلاح.

وقلعة “قايتباي” مقامة على مساحة 17550 ألف متر مربع، تحيط بها الأسوار والاستحكامات الحربية وأبراجها المتعددة. برجها الرئيسي في الجهة الشمالية الغربية، والبرج عبارة عن بناء مربع ضخم من ثلاثة طوابق، فيما يتكون بناء القلعة من ثلاثة طوابق.

أما عن الطابق الأرضي فيشمل المسجد، وقد بني على نظام المدارس المملوكية، فيتكون من صحن مربع مكشوف في الوسط يحيط به من جهاته الأربع أربعة إيونات صغيرة معقود كل منها بعقد كبير مدبب وأرضية الصحن كسيت بالرخام الملون، ويلاحظ أن محراب المسجد لا يتجه إلى الكعبة ويرجع ذلك إلى تخطيط المسجد المتمشي مع تخطيط القلعة من حيث الاتجاه إلى الجهات الأربع الأصلية. وهناك سلم من الحجر يمتد للطابق الثاني، الذي يحوي ممّرات جانبية ومجموعة من القاعات الكبرى والحجرات تلتف حول محور المنور الأوسط المطل على سطح المسجد إلى أن نصل للطابق الثالث المكون من وجهات وممرات جانبية ومخازن، ويلاحظ أن جميع أسقف الطابق الثالث تأخذ شكل الأقبية.

أما عن الأسوار الخارجية، فهي تحيط بالقلعة من الجهات الأربع ووظيفتها حماية القلعة من الخارج وقد تهدم الضلع الشرقي للسور المطل على البحر وأعيد ترميمه حديثا والضلع الغربي من أقدم وأضخم أجزاء السور نظرا لتخلل مبانيه كتل الخشب وجذوع النخل وتتخلله ثلاثة أبراج، والضلع الجنوبي يطل على الميناء الشرقي ويتخلله ثلاثة أبراج، والضلع الشمالي للأسوار الخارجية يطل على البحر مباشرة وهو مقسم إلى عدة حجرات لكل منها فتحة معدة للمدافع.

أما الأسوار الداخلية لقلعة قايتباي فهي مبنية من الحجر وتحيط بالبرج الرئيسي من ثلاث جهات فقط: الشرق والغرب والجنوب، ويفصلها عن الأسوار مجموعة من الحجرات تبلغ 34 حجرة كانت تستخدم كثكنات للجند ويقع المدخل الأصلي للقلعة في الركن الجنوبي الغربي من السور.

ونظراً لبعد منطقة القلعة عن مصادر المياه العذبة، كان لزاماً استمرار الحياة فيها وأن يوجد بها مصدر دائم للماء الصالح للشرب والاستعمال اليومي، وكما كان هذا المصدر مجهول الموقع، فقد تم إعداد خطة للبحث عن هذا المصدر، وتم فعلا العثور على صهريج ضخم في تخوم الأرض موازياً للضلع الغربي بالبرج الرئيسي من الخارج، وهو عبارة عن صهريج مبني بالطوب الأحمر طوله 10.13م وعرضه 5.15م يقسمه طولاً صف من أربعة أعمدة تحمل خمسة عقود حجرية، حيث تتكون عشر قباب ضحلة على الجانبين، أما عمقه فيبلغ حوالي 4.50م ويلاحظ أنه كان هناك صلة بين هذا الصهريج وأسطح المباني المجاورة، خاصة مباني الضلعين الشمالي والغربي من الأسوار، حيث توجد ماسورة من الفخار تتجه نحو هذه الأماكن مما يرجح أنها تغذي هذا الصهريج بالماء، وكانت تتم عن طريق تجميع مياه الأمطار الوفيرة في منطقة الإسكندرية من أسطح هذه الأماكن وتجميعها عن طريق هذه المواسير للصب في الصهريج.

12