قايد صالح يستند إلى الحراك الشعبي لمواجهة خصوم المؤسسة العسكرية

تسريع القيادة العسكرية لوتيرة الإيقافات وفتح ملفات الفساد، يأتي في سياق مخاوف غير معلنة لديها، من إمكانية ظهور تحالفات خفية تشكّل خطرا عليها.
الثلاثاء 2019/04/23
الأمور تحت سيطرة الجيش

سرّعت قيادة المؤسسة العسكرية في الجزائر من وتيرة تفكيك الخلايا المناوئة لها، بإلقاء القبض على بعض كبار ضباطها السابقين، وإجراء حملة تغييرات في بعض المصالح، مقابل تفعيل المتابعات القضائية ضد رجال أعمال وشخصيات محسوبة على نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، تفاديا لأي تحالف بينها قد يسحب منها البساط قريبا.

الجزائر- توقّع المحامي والناشط السياسي طارق مراح، أن تطال حملة الإيقافات قريبا سياسيين على صلة بملفات الفساد المفتوحة من طرف القضاء، ضد عدد من الوجوه والرموز المحسوبة على نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وقال مراح في تصريح لـ”العرب”، إن هناك “حديثا في الوسط القضائي بأن نيابة قضاء العاصمة، قد أصدرت أوامر بالقبض على العديد من الشخصيات المحسوبة على عالم الأعمال والسياسة والأجهزة التنفيذية، بسبب ضلوعهم في قضايا فساد وقعت خلال العشريتين الأخيرتين (1999 - 2018)”.

وتم الاثنين، إلقاء القبض على أربعة أشقاء من عائلة كونيناف ويسعد ربراب، من طرف فصيلة الأبحاث والتحريات التابعة لجهاز الدرك الوطني، للتحقيق معهم في قضايا تتعلق بعدم الالتزام بالعقود التي أبرموها مع الحكومة، واستعمال النفوذ للحصول على عديد الامتيازات دون استحقاق، فضلا عن مخالفات في حركة رؤوس الأموال واستيراد معدّات مستعملة وتضخيم فواتير، على أن تتم إحالتهم على وكيل الجمهورية بالعاصمة لاحقا.

وجاء إعلان التلفزيون الحكومي، عن توقيف المعنيين، بعد عملية مماثلة طالت جنرالين سابقين في المؤسسة العسكرية، ويتعلق الأمر بكل من سعيد باي والحبيب شنتوف، حيث أودع الأول السجن العسكري بالبليدة ليل الأحد إلى الاثنين، بتهمة تبديد واستغلال أسلحة وذخيرة، كما تم إلقاء القبض على الثاني، بتهمة اختراق شروط الإفراج المؤقت، وهو تلميح إلى أن الرجل كان بصدد الفرار.

ويرى متابعون للشأن السياسي الجزائري، بأن تسريع قيادة المؤسسة العسكرية لوتيرة الإيقافات وفتح ملفات الفساد، يأتي في سياق مخاوف غير معلنة لديها، من إمكانية ظهور تحالفات خفية بين زمر عسكرية وسياسية ومالية، تشكّل خطرا عليها ويمكن أن تنفذ انقلابا أبيض ضدها، وأن قيادة الجيش تريد تفكيك الخلايا المشكوك فيها بشتى الوسائل.

وتمثل عائلة كونيناف ورجل الأعمال يسعد ربراب، وبعض الضباط السامين الموقوفين خلال الأشهر الماضية، والمتابعين بتهم مختلفة، أضلاعا مهمة في الأجنحة المشكلة للنظام السياسي السابق، فالأولى تعتبر راعية لنظام بوتفليقة، والثاني يمثّل ذراعا مالية لمدير جهاز الاستخبارات المنحل الجنرال محمد مدين (توفيق)، في حين يحمل الضباط الموقوفين خصومات ضد الجنرال أحمد قايد صالح.

ويرى هؤلاء بأن اشتداد القبضة الحديدية بين قيادة العسكر، ورموز الأجنحة المذكورة، يمثّل إيذانا باقتراب حسم المواجهة الخفية بين الطرفين، وأن الأسبوع الحالي سيكون مفصليّا في مسار الجزائر، لأن قيادة المؤسسة العسكرية تنوي اختصار الوقت والجهد لحسم المعركة، أما الأجنحة الأخرى فهي أمام تحدي استمرار الوجود والحفاظ على المصالح أو الانقراض والتسليم بالأمر الواقع.

ويحاول الجنرال قايد صالح، الاستناد إلى شرعية الحراك الشعبي، لتنفيذ مخطط تصفية الجيوب المناوئة، واستغلال المطالب السياسية المرفوعة في الشارع منذ الثاني والعشرين من شهر فبراير الماضي، لإرساء أجندته سواء بتمكين جيل جديد من المؤسسة من السلطة برضا شعبي، أو ضمان خروج آمن له ولجنرالاته الأوفياء، من خلال اكتساب تعاطف الشارع.

ويرى المحامي والنشاط السياسي طارق مراح، في تصريحه لـ”العرب”، بأنه “مهما كانت القراءات والتأويلات السياسية حول شرعية إيعاز قيادة الجيش، لجهاز القضاء من أجل التحرك السريع في عملية محاربة الفساد، فان العبرة في تحقيق المطالب التي ظهرت بشكل لافت في شعارات ولافتات المتظاهرين خاصة خلال الجمعة الثامنة والتاسعة، والتي تدعو إلى محاسبة ومعاقبة المفسدين الذين أضروا بالبلاد والعباد”.

وأضاف “سنسمع قريبا عن توقيف رموز أخرى في عالم الأعمال والسياسة والعسكر، لأن المسألة تتعلق بتحركات مشبوهة لتلك الدوائر من أجل قلب الموازين في الساحة، بإجهاض الحراك الشعبي، وعرقلة التوافق السياسي للمرحلة القادمة في البلاد، وأن الدولة القديمة (الجنرال توفيق) باتت تشكّل خطرا على البلاد، وسقوطها هو واحد من انتصارات الحراك الشعبي”.

وشدد على أن “الحقوقيين مطالبون بالسهر على ضمان، شروط وظروف المحاكمات العادلة والشفافة لجميع الموقوفين، وعدم تحول العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقامية”، في إشارة إلى المحاذير المرفوعة من إمكانية تحول العملية إلى تصفية حسابات شخصية وصراع لوبيات، لاسيما في ظل الوضعية الهشة التي تعيشها مؤسسات الدولة”.

اشتداد القبضة الحديدية بين قيادة العسكر، والمحسوبين على بوتفليقة يمثل إيذانا باقتراب حسم المواجهة بينهما

وأضاف “في هذا الظرف نحن نتكلم عن مجموعة من الإيقافات فقط، والراجح أن هؤلاء سيمثلون أمام قاضي التحقيق، وهي عملية تستغرق وقتا معتبرا، وهو هامش يمكن أن تظهر فيه معالم أولية لمؤسسات شرعية وقوية جديدة، تكفل بسط القانون والحريات والحقوق في المجتمع، وتحرر القضاء والقضاة من ممارسات العهد الماضي”.

ودعا رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض محسن بلعباس، إلى “ضرورة استدعاء الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، والجنرال (توفيق) إلى التحقيق القضائي، باعتبارهما المسؤولين المباشرين عن المرحلة الأخيرة في تاريخ البلاد، وتسجيل كل الفضائح خلال حكم بوتفليقة، وإلا كانت العملية مشبوهة”، في إشارة إلى الشكوك التي تحُوم على حملة محاربة الفساد من طرف بعض الدوائر.

وبالموازاة مع الحصار الشعبي المضروب على حكومة نورالدين بدوي، حيث طرد محتجون نهار أمس، والي العاصمة عبدالقادر زوخ، من حي القصبة العتيق، ووزير الموارد المائية في سطيف، وقبلهما وزير الطاقة بالعاصمة.

ومُنيت ندوة المشاورات السياسية بفشل ذريع، بعد مقاطعتها من طرف الطبقة السياسية والمستقلين، وحتى غياب رئيس الدولة المؤقت عبدالقادر بن صالح عنها، حيث ظهرت في صور باهتة لحضور قليل في قاعة شاغرة أخرج منها الصحافيون قسرا.

4