قبائل الإرهاب والفنون: الإعلام يصنع عقولا ثم يقصفها

مكنت وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الرقمية من كسر جدارين كبيرين: الأول القيم الجمعية الصماء التي كانت مشتركة بين الجميع، فأصبحت اليوم قيما وأذواقا وأحاسيس فردية، تجمع كلها في قبائل افتراضية مكونة من أفراد. أما الجدار الثاني فهو النزعة العقلانية لدى المتقبل، لقد اهتز ذلك العصر الذي يمكن أن يفكر فيه الفرد في ما يقال له أو يراه، فاليوم يتفاعل الجمهور بتحمس مع الرسائل دون تفكير فينخرط في المجتمعات الموازية التي يصنعها الإعلام، ومنها الإرهاب.
السبت 2016/05/07
أحدهم يمكن أن يؤثر على حشود

“إنه زمن مجتمع جماهير الأفراد، فيه تتشكل الميولات الفردية من خلال تفاعل الشخص مع الوسيط الإعلامي، ثم يصبح الفرد في حاجة لتقاسم ميولاته، فتتولد القبيلة الافتراضية”، هكذا فسر الباحث الكندي في فلسفة الإعلام سيرج برو الحقبة الإعلامية التي يعيشها العالم اليوم، مؤكدا أن الفرد يشكل فكرته بنفسه من خلال الوسائط الحديثة للتواصل، فتتحدد الميولات وفق مجموعات يسميها برو القبيلة الافتراضية، ثم يتكثف الشعور بالانتماء إلى تلك القبيلة ليعوض أي شيء آخر، وربما قد يولّد التطرف.

أتاحت الإنترنت إنتاج نظام ضخم وغير متناه من قنوات التفاعل بين العناصر الثلاثة الرئيسية للعملية التواصلية، وهي الباث والمتقبل والرسالة. فقد مكن العالم الافتراضي الباث من التواصل مباشرة ودون وسائط مع المتقبل، سواء كان فنانا أو سياسيا أو مفكرا أو باحثا أو طبيبا أو حتى بائع خضار، كما يمكن للمتقبل أن يتفاعل مع مصدر الرسالة مباشرة، ناهيك عن إمكانية كل منهما إنشاء الرسائل الإعلامية التي يريد تغييرها أو إضافة أشياء إليها وغير ذلك من إمكانات التدخل في طبيعة الرسالة الاتصالية.

هذا العالم الذي لا يملك حدودا، جعل من تشكيل الرأي العام عملية معقدة جدا، تخضع لعدد ضخم من الآليات والأجهزة والتقنيات والمعرفة. ولكن في الحين ذاته ـ وهنا تكمن الطرافة حسب الباحث الفرنسي دومينيك فولتون ـ تعد وسائل الاتصال الحالية أكثر الوسائل شعبية وانتشارا في العالم، “إذ لا يعقل اليوم أن أحد الشباب لا يملك صورة سيلفي عن نفسه، وإن لم يفعل فهو عبقري بامتياز” حسب تصريح سيرج برو الذي ذهب بعيدا في ذلك واصفا ما يحدث اليوم بأنه “الديمقراطية التي وفرتها التقنية للجميع حتى يمثل نفسه، لذلك فالمجتمع اليوم يقوم على الجماهير الفردية”.

المدخل العاطفي لاستمالة الجمهور يعد المدخل الرئيسي للخطاب الإرهابي الذي لا يبعد عن إشهارات الألعاب العنيفة

قبائل الفن والإرهاب

“ظهر نظام بيئي خاص ببرنامج “أميريكان آيدل”، حيث كان المعجبون المتحمسون كالعادة يكوّنون مجموعات مركزة مما غذى بعض الحروب الرقمية الأولى بين المعجبين”. بهذه الجملة انطلقت الكاتبة الأميركية المقيمة في الدوحة تارا سيثرام في تحليل كيفية تكوّن جمهور واسع حول برنامج الفنون والمواهب الأميركي أميريكان آيدل، وأكدت الكاتبة أن هذا الكم الكبير من المتابعين والمعجبين بالبرنامج والذي فاق الـ30 مليون مشاهد في ذروة بثه يعد مقدمة لنمط جديد من الذوق ونقاط الاستهواء التي تجذب الجمهور، وهو “الرغبة الطبيعية لدى الإنسان في رؤية عملية نجاح فورية تحدث أمامه فيتعامل معها”. وكان ذلك في تحليلها يحيل إلى باب كبير في علم نفس الجمهور يتمثل في الجذب العاطفي للمحتوى الإعلامي حتى يصبح البرنامج أو المحتوى حاظيا بشعبية.

فأن يصبح برنامج فني كأميريكان آيدل مساحة للتجاذب وتبادل المعاني الخطابية المشحونة، فذلك مؤشر على أن الأرضية مؤهلة لأن يصبح الإرهاب والتطرف أمرين قابلين للنقاش، أولا باعتبار أن القائلين كثر في الموضوع الذي يمكن أن يطرح في وسائل التواصل الاجتماعي، وثانيا إذا أصبح ذلك قابلا للنقاش فالأمر عرضة لأن يكون محل قبول لدى البعض، فتتشكل القبيلة الافتراضية الداعمة للأفكار المتطرفة، وبالتالي الإرهاب.

يؤكد الباحث الفرنسي دومينيك باسكياي أن وسائل الإعلام (خاصة التلفزيون) تؤثر على سلوك وعواطف الجمهور عبر مشاهد تخاطب في أحيان كثيرة الجوانب الغرائزية والعاطفية في الذهن عبر تقنيات معقدة للتصوير وسرعة الصورة والزاوية التي تؤخذ منها تلك الصور، “فالتلفزيون غير عقلاني”، حسب بحثه الذي حمل عنوان “ثقافة الأحاسيس عبر التجربة التلفزيونية الفرنسية: آلين والأولاد”.

وفسر الباحث باسكياي ذلك مؤكدا أن المسلسل الذي وُجه للمراهقين في القناة الفرنسية الأولى أواخر تسعينات القرن الماضي لا يزال إلى الآن يؤثر في الأزواج الشباب اليوم، نظرا إلى قوة تأثير المشاهد التي مرت في سلسلة “آلين والأولاد” والتي أثرت إلى حدود رسم معالم سلوك من كانوا مراهقين في ذلك الحين وأصبحوا شبابا اليوم. وفي السياق ذاته كتبت صحيفة “إنترنوت” الفرنسية مقالة مطولة عنوانها “كيف أصبح الأولاد في سلسلة آلين والأولاد؟”، وكانت الإجابة أن نسبة 60 بالمئة من المراهقين الذين شاهدوا السلسة هم نسخ مطورة لأولئك الأولاد، ما يدعم رأي دومينيك باسكياي في أن التلفزيون يعد “آلة توليد عاطفية قوية وحادة”. وللإشارة فإن التلفزيون اليوم أصبحت له أشكال أخرى كالأشرطة المصورة التي تبث في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع المصورة الأخرى كيوتيوب وغيره.

آلاكس موكياللي: الانبهار بالمشهد يؤدي إلى محاولة تبني الرسالة التي يمكن أن تكون إرهابية

المدخل العاطفي لاستمالة الجمهور وتغيير سلوكهم والتأثير فيهم، تمهيدا لتقبل رسائل تجارية أو اقتصادية أو حتى سياسية وثقافية، يعد المدخل الرئيسي أيضا للخطاب الإرهابي حتى يتمكن من التأثير ذاته. فالملاحظ أن التجاء الجماعات الإرهابية المسلحة إلى الصورة (ثابتة أو أشرطة مصورة) يعد دليلا قويا على أن الخطاب المتطرف والعنيف موجه للحواس وليس العقل، وإلا لكان التركيز على الخطاب الفقهي والإشارات إلى المراجع لتتمكن التنظيمات الإرهابية من إقناع جمهورها بقبول فكرة الخلافة. فالخطاب العاطفي بذلك يمثل أهم المداخل لشد الانتباه، وتكثيف الجمهور حول الرسالة والتناقش فيها والصراع من أجل قبولها، تماما كما حدث مع نجوم برنامج أميركان آيدل الذي انقسم بين مؤيد لذلك المغني ومعارض، مشكّلين القبائل الافتراضية المتصارعة، وبالمقاربة ذاتها وجدت القبائل الافتراضية الإرهابية.

ابتكار عالم مواز

“تأثير، حثّ، تحميس”، هذا عنوان بحث أنجزه الباحث في الاتصال الجماهيري الإيطالي آلاكس موكياللي الذي ينتمي إلى المدرسة السلوكية، أكد فيه أن الهدف من وسائل الإعلام في آخر المطاف هو خلق عالم مواز فيه استدراج إلى خلق حاجيات معينة تتكثف في الذهن تمهيدا لتسويقها بعد ذلك وبيعها للمستهلكين. والأمر لا ينسحب فقط على المنتوجات العينية والتجارية، بل إن الأخطر من ذلك هو بيع الأفكار والعقول الجاهزة، “وهو ما حدث في أواخر السبعينات عندما تم تصوير السوفييت ملحدين والأميركيين متدينين ليتمكن الأميركيين من تسهيل شحن الجهاديين إلى أفغانستان بعد أن اقتنع عدد من العرب أن السوفييت “أعداء الله” وعليهم تحرير أرض المسلمين منهم. لم يحدث ذلك إلا ببضعة أفلام سينمائية فقط”، حسب موكياللي.

قد يمكن الاستنجاد في هذا السياق بمثال الإشهار وتغيير نمط العيش والمواد المستهلكة والسلع والماركات عبر تغيير العقلية؛ إذ تخلق المادة الإشهارية في ذهن المتفرج صورة عن حياة الرفاه الكاملة التي تظهر في الإعلان، وفي الغالب يبحث المشتهر عن رسم الصورة الأجمل لما يحيط بمنتوجه الذي يريد ترويجه، لذلك فإن الانطباع الأول الذي يريد خلقه هو “الانبهار” حسب موكياللي الذي أكد أن الانبهار “سوف يؤدي بفعل التكرار إلى محاولة المتلقي تقليد ذلك النموذج وتبنيه، وبالتالي فإن المنتوج الذي ظهر في الإشهار سوف يكون عنصرا رئيسيا في الحياة الجديدة التي بدأت في ذهن المتفرج”، وفي ذلك نتائج عديدة منها خلق رابطة وفاء بين الحريف والمنتوج.

هذه التقنية يمكن أن تستعمل في بيع وترويج المواد غير المادية الملموسة، أي الأفكار. فربط المنتوج المادي بنموذج عيش قد يؤدي إلى ترويج أكثر للمنتوج وبالتالي الربح، لكن ترويج أيديولوجيا برمّتها من خلال تكثيف الرسائل عبر وسائل الإعلام سوف يغير من حياة أعداد ضخمة من الناس ومن ثمّ تغيير النظام والدولة والثقافة والسياسة وكل شيء.

الآلة الدعائية الإرهابية تلعب على الأوتار ذاتها التي يستعملها المستشهرون وخبراء الترويج وغيرهم

الآلة الدعائية الإرهابية تلعب على الأوتار ذاتها التي يستعملها المستشهرون وخبراء الترويج وغيرهم، “إنهم يبيعون أفكارهم مجانا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليصبح ارتكابهم لجرائم القتل والذبح أمرا عاديا في يوم ما” كما يقول الباحث التونسي في علوم الإعلام والاتصال عربي شويخة. استعمال التقنيات يعد عملا تجاريا صرفا من أجل خلق حاجيات يريد رأس المال تصنيعها وبيعها وهي تندرج في إطار نظرية التأثير، والأمر بالنسبة للإرهابيين شبيه فوسائل التواصل التي يشرف عليها داعش مثلا تسعى إلى خلق مصطلحات تغرسها في ذهن المتقبل المصدوم أو المبهور بما يراه من قتل متوحش فيخلق في ذهنه عالما موازيا يكون مقدمة لانهيار الدولة التي هو فيها وتقبل “دولة الخلافة” بل وأحيانا الانخراط في القتال معها.

تسعى الأعداد الغفيرة من الأفراد إلى إبراز اهتمامها الملفت بالبرامج الفنية أو بالأفكار المتطرفة أو بالأشياء والموسيقات الغريبة، وإلى تحقيق التمايز عن الآخرين بشكل أو بآخر كي “تكون في هرم المجموعة أو متوازية معها” حسب آليكس موكياللي، والهدف من كل ذلك هو إرضاء غرض نفسي مّا في الداخل أو الوصول إلى الشهرة أو حتى تحقيق الثروة وكسب إعجاب الآخرين أو اهتمامهم سواء بالسلب أو الإيجاب. وهذا ما يمكّن الباحثين من فهم تحول بعض الشباب، حتى في الغرب، إلى التنظيمات الإسلامية المتطرفة، فجزء كبير منهم قد انخرط في سياق التأثر العاطفي والرغبة في التمايز والظهور وبالتالي اختيار السلوك الأكثر عنفا وتطرفا والمغلف بحجج يمكن اعتبارها قوية نسبيا لأنها دينية.

كاتب من تونس

6