قبر إبراهيم الخليل.. صراع متجدد بين الفلسطينيين واليهود

الخميس 2017/08/31
اليونسكو أدرجت الخليل في مواقع التراث العالمي في فلسطين

الخليل(الضفة الغربية)- يلوح قبر أبو الأنبياء إبراهيم الخليل في الأفق وكأنه حصن فوق المنازل الصغيرة ذات الأسطح المستوية، التي توجد بها أطباق استقبال البث التليفزيوني عبر الأقمار الاصطناعية في مدينة الخليل في الضفة الغربية الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.

والتقاليد الموروثة تفيد بأن عظام أبو الأنبياء إبراهيم وزوجته سارة وابنه إسحاق وزوجته ريبيكا (رفقة) ويعقوب نجل اسحاق وزوجته ليئه مدفونة هنا، مما يجعله ضريحا مقدسا بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين.

والضريح الكائن في الضفة الغربية، ويعود تاريخه إلى الفي عام، معروف باسماء عديدة وهى كهف البطاركة، ومغارة المكفيلة والمسجد الإبراهيمي أو الحرم الإبراهيمي .

وقد ركزت حكومات تل أبيب على توظيف العامل الديني في الخليل، وتجاهل البعد السياسي للصراع، ما انعكس على نظرة الجانب الإسرائيلي للحرم واعتباره تراثا يهوديا، ليتحول إلى رمز للصراع الديني أسوة بالمسجد الأقصى المبارك.

وقال محمد فاكوري وهو مرشد سياحي فلسطيني وخبير المقابر الآثرية "المسجد مكان مهم تاريخيا ومقدس للغاية بالنسبة لنا".

لكن المؤرخة الإسرائيلية تسيبي شليسل التي تعمل في متحف للتاريخ اليهودي على بعد دقائق معدودة سيرا على الأقدام من الضريح، لا تتفق مع هذا الرأي. وقالت "لم يكن أبدا مكانا مقدسا للفلسطينيين ولن يكون كذلك على الإطلاق" مضيفة "إنه موقع ديني يهودي".

يذكر أن النزاع القائم منذ زمن طويل بشأن هذا الضريح المقدس قد أججه من جديد قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) الشهر الماضي باعلان أن مدينة الخليل القديمة، الجزء التاريخي القديم لمدينة الخليل، موقعا للتراث العالمي، استجابة لطلب تقدمت به السلطة الوطنية الفلسطينية.

وادرجت المنظمة الأممية الموقع في قائمة "في خطر" الخاصة بها بسبب الاحتلال الإسرائيلي. وتسيطر اسرائيل فعليا على الضفة الغربية منذ حرب السادس من يونيو 1967، بينما نقلت صلاحيات إدارتها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، بموجب اتفاقية اوسلو. ومدينة الخليل - وتعني كلمة الخليل باللغة العربية "صديق" أو "حبيب" - يقطنها حوالي 210آلف شخص.

وتسيطر السلطة الفلسطينية على جزء من المدينة، فيما تسيطر اسرائيل، على الجزء الآخر، الذي يعيش فيه حوالي 800 مستوطن يهودي، بينهم شليسل، بين 50 الف فلسطيني، و الذي يوجد فيه الضريح المقدس.

وتدرج اليونسكو الآن "الخليل /بلدة الخليل القديمة" بما في ذلك الضريح المقدس المتنازع عليه في مواقع التراث العالمي في فلسطين.

واعربت الحكومة الإسرائيلية عن غضبها ازاء تلك الخطوة، ووصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها "قرار وهمي آخر من جانب يونسكو"، مضيفا أن الصلة بين شعب إسرائيل والخليل تعود إلى آلاف السنين ولا نظير لها في تاريخ البشرية.

وشليسل تستشهد بالكتاب المقدس، وقالت "يتم ذكر الخليل مرارا وتكرارا على أنها منطقة يهودية". ويدلل الحجاب واللباس الأسود شليسل على أنها من بين المعتنقين الأكثر تشددا للعقيدة اليهودية .

وتذكر روايات تاريخية أن النبي إبراهيم دفع 400 شيكل ثمنا لهذه الأرض، وحكم داوود، ثاني ملوك بني إسرائيل، كملك من الخليل قبل أن ينقل عاصمته إلى القدس.

وقالت شليسل "الجميع الذين يعرفون تاريخهم يعلمون أن هيرودس شيد هذا المبنى"، واصفة قرار اليونسكو بأنه "معاد للسامية".

وهناك مدخلان، ففي أمام المسجد، يقوم جنود إسرائيليون مسلحون ببنادق هجومية بتفتيش مجموعة من الشباب الفلسطيني، ورفع أحدهم قميصه واستدار ليظهر أنه غير مسلح. وتنزل فتاتان ترتديان الحجاب درجات السلالم.

وتغطي سجادة حمراء ناعمة الملمس أرضية الغرفة الرئيسية. وتدعم اعمدة مزخرفة السقف العالي، مع رواق يمتد بطول الجدران.

وأعرب فاكوري، الذي كان يرتدي قميصا أبيض وسروال جينز، عن موقف إيجابي إزاء قرار اليونسكو، مضيفا "سيأتي زوار أكثر من السابق، لأنه الآن موقع مهم". ويعزو العدد القليل نسبيا من الزوار إلى "الخوف من نقاط التفتيش الإسرائيلية".

وكانت مدينة الخليل منذ فترة طويلة مصدرا للنزاع، وبعد وقت قصير من اندلاع موجة العنف الأخيرة في خريف عام 2015، جاء ثلث المهاجمين من الخليل. وتقول مجموعة "شباب ضد المستوطنات" الفلسطينية إن هناك 20 نقطة تفتيش اسرائيلية في المدينة.

وعند مدخل المعبد اليهودي، يقف رجال يرتدون قبعات سوداء وبحوزتهم اقفال جانبية وفتيات ترتدين فساتين ونساء بشعر مستعار( باروكات) - مما يشير على التشدد في اتباع الديانة اليهودية - في انتظار الحافلات لتنقلهم بعيدا مرة أخرى، ويجلس جندي في مكتب حراسة.

ويقع الكنيس في الفناء الداخلي تحت سقف جناح لونه بني فاتح، كما يركض الأطفال عبر الأرضية الحجرية، ويؤدى الرجال الصلاة في المقدمة، في حين تصلي النساء في الجزء الخلفي، ويفصل بينهم حاجز.

وقال احمد الرجوب، من وزارة السياحة الفلسطينية، إن "الخليل جزء من فلسطين من وجهة النظر الفعلية، ووفقا لاتفاق دولي "مضيفا" نحن المسؤولون عن التراث الثقافي هنا".

ولكنه يدرك أيضا أن مقابر الآباء الأجلاء ذات أهمية دينية ليس بالنسبة للفلسطينيين فحسب، ولكن بالنسبة للبشرية جمعاء أيضا".

وأضاف الرجوب إن الموقع يحتاج إلى الحماية من الاحتلال الإسرائيلي، مشيرا إلى حراسة الجيش الإسرائيلي عند مدخل المسجد والمنازل الجديدة للمستوطنين في البلدة القديمة.

ويعتمد الرجوب على التقارير السنوية التي تصدرها اليونسكو بشأن التطورات في الموقع، وعلى اهتمام دولي أكبر بشكل عام، ويتمثل أحد الأهداف في السعي للحصول على دعم اليونسكو في تأمين تمويل.

كما يرفض استاذ العلوم السياسية مناحم كلاين انتقادات نتنياهو، قائلا إن الاتفاق على أن اليونسكو تنكر وجود صلة يهودية خطأ. وأشار إلى أن اليونسكو أكدت على أهمية الموقع بالنسبة لليهود والمسيحيين.

وردا على سؤال حول ما تغير نتيجة الإعلان عن أن كهف البطاركة موقع للتراث العالمي، كان جواب كلاين مقتضبا وهو "لا شيء".

1