قبر الحب في شارع الأزهر

هل من الأفضل لكبار السن الزواج ومواصلة الحياة الطبيعية عوضا عن الحزن وتجرع ألم الوحدة الموحشة، أو الانطواء والانسلاخ من المجتمع.
الاثنين 2018/07/16
اللقاء الأول

جميعنا يملك الحكايات ويسرد منها الكثير، لكن بعض هذه الحكايات فقط ما يحمل في ثناياه المتعة والبريق، ويلتف بألق يمسد الطريق لسماعه طاردا ملل الإنصات للحكي بعيدا.

أعرف سيدة ستينية جميلة، مات عنها زوجها منذ سنوات، عرفت بالصدفة أنها كانت حبيبة للشاعر الراحل كرم الأبنودي شقيق الرائع الراحل عبدالرحمن الأبنودي، أحبها الرجل حبا يفوق الخيال ونظم فيها القصائد حتى باتت أيقونته، لا يمكنه المجيء إلى قاهرة المعز دون النظر إلى عينيها السوداوين والرشف من رحيق عشقه العذري الخالي من الإثم والمعصية، يجلس بالساعات يسمعها نبض قلبه المكتوب أبياتا وقصائد عذبة. طلبها للزواج فرفضت الأسرة أن تكون ابنتها زوجة ثانية، خاصة كونه ليس من أبناء بلدتها. هرب بأحزانه بعيدا، ورويدا رويدا تسلل المرض والحزن إلى قلبه حتى بتر السكري اللعين قدمه اليسرى، عاد ليراها للمرة الأخيرة، طالبا أن يخطو خطواته القادمة بقدميها هي، لكن دون جدوى.

شيدت لحبها قبرا في شارع الأزهر، حيث كان لقاءهما الأول، وطفقت تخصف على قبر عشقهما المقتول بيدي أبيها من أوراق الورود الذابلة لتواري سوءة العشق الممنوع على فتاة لا يجوز لها الزواج بغير قريب تسري دماء قرابته في شرايين الأهل. في زيارة شبه دورية تذهب لزيارة ضريح الهوى تغسل أرضية الشارع الأثري بدموعها.

منذ آخر زيارة لكرم لبيت أبيها ورفضه الزواج من ابنته عاد لينتظر الموت بعيدا عنها، لم يكن يكره زوجته الجميلة صفية، لكن قلبه الشاعر كان لديه متسع لتقفز أخرى إلى جوارها، دون مساس بمساحة الزوجة التي لم يزحزحها حب مسفوح بالعادات والتقاليد.

رفض والدها جميع الخطاب الذين تقدموا لها، وأحبتهم أو أحبوها، ووافق على الرجل الوحيد الذي لا يعرف معنى الحب، كان لا بد لها من الزواج إرضاء لوالدها فتزوجت، وكان لازما عليها أن تنجب للخروج من دوائر التلصص والعيون المتساءلة عن تأخر الحمل، فأنجبت، لم تختر أيا من قرارات حياتها، جميعها كانت جبرا حملت عليه لإرضاء غيرها، ولم يكن لقلبها عليها حق إلا الوأد.

هل من حق الرجل الذي أتم مشواره الاجتماعي مع الأبناء وتركته الزوجة في منتصف الطريق، أن يفتح الباب لأخرى طلبا للألفة والود

سنوات طويلة وهي تعيش لغيرها، ولإرضاء وإسعاد الجميع، وبعد سنوات كثيرة مات عنها زوجها، لم يكن يكترث لقلبها ومشاعرها مطلقا، يفكر بعملية مفرطة وهي عطشى للحب والحنان، اللذين لم ترتو منهما قط.

مات الرجل ومازال في قلبها نبض يتوق للحياة، ومازالت في عمرها سنوات تتشوق لتذوق طعم الحب الذي حرمت منه،  قابلها آخر سبقته زوجته إلى الموت، طلب الزواج بها، لكن ثورة أبنائها وأبنائه ثارت عليهما، كيف لامرأة ستينية الزواج؟ وكيف يلمس أمهم رجل غير أبيهم، لم يعبأ أحدهم يوما لمشاعرها، لم تكلف الابنة الكبرى أو الابن الأصغر المستدفأ بحضن امرأته عناء السؤال عن ميل قلبها.

نعم قلبها، مازال لنساء الستين قلب! رفض الأبناء مجرد الحديث في مسألة زواج أبيهم. إذ كيف لرجل جاوز الستين من عمره أن تستأنس روحه بامرأة غير تلك التي وارى جسدها التراب، ولم يبق منها غير برواز مذهب أنيق وصورة معلقة على حائط تزينها شريطة سوداء. لم تكن للأبناء حجة منطقية يستوعبها العقل.

أتساءل بيني وبين نفسي وأدعوكم إلى التساؤل أيضا، هل من حق كبار السن استكمال الحياة إلى جانب آخر يستأنسون به، يستوي عندي الرجل والمرأة، هل من حق المرأة التي مات عنها زوجها وأكملت رسالتها مع أبنائها، ووصلوا جميعهم إلى بر آمن، الزواج والتمتع بما تبقى لها من سنوات قد تضيع في الحزن، ويمكنها أن تكون أكثر بهجة في معية حبيب يترفق بها في ما تبقى.

وهل من حق الرجل الذي أتم مشواره الاجتماعي مع الأبناء وتركته الزوجة في منتصف الطريق، أن يفتح الباب لأخرى طلبا للألفة والود؟ وهل يتركهما المجتمع يعيشان الحياة دون تعليقات وانتقادات، دون همز ولمز وكأنما أتيا فعلا فاضحا في الطريق العام.

هل من الأفضل لهما الزواج ومواصلة الحياة الطبيعية عوضا عن الحزن وتجرع ألم الوحدة الموحشة، أو الانطواء والانسلاخ من المجتمع، أو الانزواء بعيدا والجلوس في مقاعد الانتظار على عتبات الموت في مراكز العجزة ودور المسنين، أم تظل قضية جدلية لا ينصفها الواقع والظروف المحيطة برغم التعاطف الخفي مع كلا الطرفين إذا ما جلسنا على مقاعدهما يوما.

21