قبر حوثي لجغرافيا الخروج من لبنان

الخميس 2015/04/16

حزب الله بدأ يتلمّس ملامح الخروج من المنطقة استتباعا لخروج إيران منها. لذا نجده يبدي حرصا كبيرا في الآونة الأخيرة على التأسيس لنوستالجيا الخروج النهائي الذي لا عودة بعده بشكل غير واع. هذا ما يقوله دفن الشيخ عبدالملك الشامي، الزعيم الروحي للحوثيين الذي كان قد أصيب في اليمن، فانتقل إلى طهران حيث فارق الحياة، قبل أن تنقل جثته إلى الضاحية الجنوبية وتدفن قرب عماد مغنية.

يريد الحزب وصل خطوط التماس الإيرانية المتفرقة في المنطقة بحبل ذاكرة متصل يوحد بينها جميعا، ويحاول نسبها إلى قضية مقارعة الغرب والاستعمار. هكذا يكون وصل قبر مغنية بقبر الحوثي محاولة لمد جسر يصل بين مقارعة إسرائيل ومحاربة السعودية. لحظة مقارعة إسرائيل انتهت وولت إلى غير رجعة. قبر عبدالملك الشامي الحوثي هو الذي ينطق بواقع النضال الحالي ويؤسس لذاكرته، في حين يبدو قبر مغنية وكأنه خلفية للصورة فقط، وذلك في إطار المعنى النضالي ضد إسرائيل الذي يسبغه عليه الحزب.

دفن عبدالملك الشامي في لبنان علامة على نضوج حنين مبكر إلى ماض يحياه الحزب ومن معه حاليا، لأنهم يعلمون أنه مهما تقلّبت السياسة ومهما اختلت موازين القوى، فإنهم، في جميع الأحوال، لن يكونوا سوى حشد من الملفوظين من جغرافيا المنطقة ومن تاريخها.

كان الحجاج الإيرانيون إلى مكة يجتهدون في الإعلان أن هذا المكان، الذي لا يمكن ضرب رمزيته المقدسة عند عموم المسلمين، ينتمي إلى الجغرافيا الخاطئة، لذا كانوا يحرصون على افتعال المشاكل ورفع شعارات تندد بالقيمين عليه.

مقاتلو حزب الله تبعوا السياق نفسه، وكانت قد انتشرت فيديوهات لمقاتلي الحزب في سوريا تهدد باسترجاع مكة والكعبة.

الدعاية الإيرانية كانت قد حرصت قبل انطلاق عاصفة الحزم على تصنيع منطق يقول إنه لا بد من إخراج مكة من تحت حكم السعودية واستعادتها. لم يكن المعنى المقصود مجرد تكفير السعوديين، وإنما محاولة لتشريع محاولة الانقضاض على الجغرافيا العربية وتغيير هويتها وتاريخها.

كان الحج الإيراني إلى مكة نوعا من حنين إمبراطوري إلى زمان لا يشكل فيه الإسلام في أي نسخة منه أي مرجعية روحية أو تاريخية. الإسلام كله لم يكن سوى حجاب زمني، وقفص جغرافي وتاريخي، تكمن أهمية المشروع النووي والاتفاق مع الغرب في تسهيل القفز منه والخروج من أسره، والعودة إلى الزمان الإمبراطوري.

اعتماد الشيعية نموذجا إسلاميا ثوريا لم يكن سوى بعض كنايات الحنين الغامضة، وتحولاته المصبوغة بمنظومات قيم، تفصله عن أصوله ومرجعياته، وتجعله يردد أصداء إمبراطورية سحيقة.

هكذا يمد الإيرانيون خيوط شبكاتهم محاولين اصطياد الجغرافيا العربية عبر نشر القبور كي تكون معالم تؤسس لحضور جغرافي حي يستحضر أحلام سيطرة غابرة.

لإيران قبور كثيرة في لبنان، وفي العراق، وفي اليمن والبحرين. تحاول أن تصلها بقبور تسعى إلى فتحها للشيعة السعوديين كي تنسبهم إليها، وتحول قبورهم إلى محميات إيرانية.

تدخل حزب الله في سوريا كان تحت عنوان الدفاع عن القبور الشيعية المقدسة، وذلك لأنها تمثل في نظره العلاقة الوحيدة الصحية بالمكان، لذا كان لا بد من ذبح سكان سوريا لفلش روح الأمكنة المقدسة على كامل الجغرافيا. هكذا تكون القبور النقطة المركزية التي تدور حولها الدوائر وتتوسع شيئا فشيئا. إنها نقطة انطلاق الجغرافيا الإلهية ومرجعيتها.

يتجلى الحنين إلى الأصول في لحظات الانتصارات الكبرى ولحظات الهزائم الكبرى. المفارقة أنه في الحالة الإلهية الإيرانية “الحزبللهية” المؤسسة على ثقافة الانتصارات الدائمة، والتي لا تسمح بانتقال إلى مرحلة من التعقل، فإن محركات الحنين إلى الأصل تبقى دائرة على الدوام. هذا الأصل الذي يحن إليه الإيرانيون ليس هنا في المنطقة. لا يسكن في هذه الجغرافيا ولا في هذا التاريخ.

يزرع حزب الله قبرا حوثيا في لبنان كي يكون مزارا للحنين، وكي يقول وهو على حافة خروج يتلمسه ويرفض الإقرار به، من الجغرافيا اللبنانية إنه كان هنا، وإنه سيعود يوما.

كاتب لبناني

8