قبضة أردوغان تخنق الاقتصاد التركي

القلق بشأن مستقبل الليرة دفع الأتراك إلى بيع الليرة وزيادة حيازاتهم من الدولار واليورو والذهب.
السبت 2018/03/17
خفض تصنيف تركيا ضربة مباشرة لأجندات أردوغان

لندن – تضمن قرار وكالة موديز خفض تصنيف الديون السيادية التركية إلى مستوى بي.أي 2، العديد من الإشارات التي تؤكد تآكل الضوابط والتوازنات الرقابية تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي قالت الوكالة إنه يجعل تركيا أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية الخارجية.

وجاء قرار الوكالة بعد ساعات من قرار البنك المركزي التركي إبقاء سعر الفائدة دون تغيير والذي يخالف الحقائق الاقتصادية. بل إن محافظ البنك مراد جتين قايا وأعضاء لجنة السياسة النقدية أقروا بأنهم اتخذوا القرار رغم أن التضخم في خانة العشرات ويشكل مخاطرة كبيرة على حركة الأسعار.

ومن الواضح أن ضغط أردوغان على البنك المركزي لعدم تغيير أسعار الفائدة رغم ضرورته الملحة، يعكس نمط قيادته وقبضته القاسية على الحريات وسيادة القانون والتي تقوض مناخ الأعمال.

تيموثي آش: قوة المؤسسات التركية تتدهور ووكالات التصنيف الأخرى ستحذو حذو موديز
تيموثي آش: قوة المؤسسات التركية تتدهور ووكالات التصنيف الأخرى ستحذو حذو موديز

ويشعر المستثمرون بقلق من أن يتسبب تراجع اهتمام المستثمرين الدوليين بالأسواق الناشئة في تعريض تركيا إلى تحول مفاجئ في أمزجة أصحاب رؤوس الأموال.

وعبرت موديز عن قلقها بشأن تآكل المؤسسات التنفيذية التركية وخصت بالذكر حالة الطوارئ المفروضة منذ الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 وكذلك تقويض سلطة القضاء.

وتشير الخبيرة كريستين ليندو إلى المعركة القضائية في فبراير التي شهدت تجاهل الحكومة لقرار المحكمة الدستورية، بإطلاق سراح معتقلين سياسيين محتجزين.

وحذرت من خطورة توجهات أردوغان لاستئصال نظام الحكم البرلماني في الانتخابات المقررة العام المقبل، وقالت إنها “ستقوض على الأرجح إمكانية التنبؤ بما سيحدث وتقوض كفاءة صنع السياسة”.

ويرى تيموثي آش خبير الأسواق الناشئة في شركة “بلو باي” لإدارة الأصول في لندن، أن معظم الناس يرون أن قوة المؤسسات التركية تتدهور. ورجح أن تقتفي وكالتا ستاندرد أند بورز وفيتش أثر موديز قريبا.

وتزامن قرار موديز مع نشر جميل أرتيم مستشار أردوغان للشؤون الاقتصادية مقالا في صحيفة إنكليزية أكد فيه ضرورة خضوع السياسات النقدية في الأسواق الناشئة إلى الحكومات. ويتعارض ذلك مع معايير صندوق النقد الدولي منذ 10 أعوام التي تشدد على بقاء سياسة البنك المركزي مستقلة.

وتثير هذه التصريحات من مقربين من أردوغان قلق المستثمرين في الأسهم والسندات التركية، بعد أن عزز أردوغان سلطته على الاقتصاد والسياسة والإعلام على نمط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يؤكد أن معدلات الفائدة المرتفعة تؤدي لارتفاع التضخم، وهو ما يتناقض مع النظريات الاقتصادية الراسخة.

ويصل معدل التضخم في تركيا إلى 10.3 بفارق كبير عن متوسط التضخم في الأسواق الناشئة الذي يبلغ 3.5 بالمئة. ويحدد البنك المركزي سعر الفائدة بمجموعة محيرة من الأدوات منها سعر اقتراض عند 7.25 بالمئة.

وتستبعد ليندو أن ينخفض التضخم إلى خانة الآحاد على نحو مستدام حتى عام 2020 على أقرب تقدير، في ظل إحجام البنك المركزي عن رفع تكاليف الاقتراض، خاصة بعد أن أبقى سعر الفائدة الرئيسي عند 8 بالمئة.

ويدعو أردوغان البنوك المحلية لتقليل سعر الفائدة على القروض الذي يتراوح حاليا بين 17 و20 بالمئة للمساعدة في تحفيز النمو. ويتهمها بالتربح على حساب البلاد. ومن المتوقع أن تلتزم البنوك الحكومية بتوجيهاته في الأسابيع المقبلة الأمر الذي يهدد بتشويه سوق الإقراض والضغط على الميزانيات.

وانتقدت موديز تلك السياسة قائلة إن إبقاء سعر الفائدة دون تغيير يترك الاقتصاد مكشوفا.

قرار وكالة موديز خفض التصنيف الائتماني السيادي لتركيا إلى درجة عالية المخاطر يعكس حقيقة قاسية تتلخص في أن تركيا تخضع لنظام حكم فردي ولسياسات منفلتة تقوض سيادة القانون إلى مستويات لا تلائم أوضاع سوق ناشئة تسعى لجذب المستثمرين

وأكد إينان دمير الخبير الاقتصادي بشركة نومورا في لندن أن “المخاطر تنحرف باتجاه معدلات مرتفعة بسبب الضغوط الشديدة وحساسية الليرة تجاه الصدمات العالمية والمحلية”. واستبعد أن “يتحرك البنك المركزي إلا إذا واجهت الليرة ضغوطا شديدة”.

وهوت الليرة في نوفمبر لمستويات قياسية منخفضة قرب 4 ليرات للدولار حين فاقمت التوترات السياسية مع الولايات المتحدة المخاوف بشأن ارتفاع التضخم. وتحركت الليرة أمس قرب 3.92 للدولار.

ويعد العجز التجاري أكبر مساهم في عجز الحساب الجاري، بعد أن تضاعف في يناير إلى 9 مليار دولار بسبب ارتفاع الواردات بنسبة 38 في المئة مقابل زيادة الصادرات بنحو 11 بالمئة فقط.

ودفع القلق بشأن مستقبل الليرة الأتراك إلى بيع الليرة وزيادة حيازاتهم من الدولار واليورو والذهب.

ويتسارع تدهور نظرة الشركاء التجاريين والمستثمرين إلى الاقتصاد التركي بسبب التوترات مع الولايات المتحدة بشأن التوغل العسكري التركي في سوريا ونزاعات مع اليونان وانحدار العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بسبب الحملة على المعارضة السياسية.

وتتزايد يوما بعد يوم هجمات أردوغان على كل من يعرف سيطرته على المجتمع التركي وبضمنهم الحلفاء الغربيون الذين ينتقدون تسلطه المتزايد والمستثمرون الأجانب الذين يرون نهجه الشاذ لإدارة الاقتصاد والسياسة الخارجية خطرا متزايدا على رؤوس أموالهم.

كريستين ليندو: نرجح حدوث تحول مفاجئ ومعرقل لتدفقات الاستثمارات الأجنبية لتركيا
كريستين ليندو: نرجح حدوث تحول مفاجئ ومعرقل لتدفقات الاستثمارات الأجنبية لتركيا

وقبل أيام، زعم أردوغان أن قوى غربية أرادت الإطاحة به في محاولة الانقلاب في يوليو 2016 وحاولت منعه من التوغل العسكري في سوريا وأنها تسعى حاليا إلى تقويض بلاده على الساحة الدولية لأنها تخشى من قوتها الصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.

وتقول موديز إن الهجوم العسكري التركي على منطقة عفرين السورية يزيد المخاطر الجيوسياسية على تركيا والتي ستصبح أكثر وضوحا وعمقا مع استمرار الصراع.

وتؤكد ليندو أن “الصورة العامة تشير إلى إمكانية حدوث تحول مفاجئ ومعرقل لتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية وانخفاض أكثر سرعة في الاحتياطات الأجنبية المنخفضة بالفعل. والسيناريو الأسوأ وهو تفاقم أزمة ميزان المدفوعات”.

10