قبطان يرتدي قبعة ليحمي الشمس من أفكاره

الانشطار المقصود في المعنى يمنح القارئ مساحة للتفكير جماليا في الطريقة التي يكتب بها الخصار قصائده.
السبت 2020/02/22
ايقونة مغربية

ميلانو (إيطاليا) – في مجموعته الشعرية الجديدة “القبطان البري” لم يكتف الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار بالاعتراف في أول قصيدة بأنه هو القبطان “أنا هو/ وهذه القبعة التي أضعها على رأسي/ لا لتحميني من الشمس/ بل لتحمي الشمس من أفكاري”.

ويكرر الاعتراف في صيغة عناوين وجمل تبدأ بكلمة “رجل”، لنلتقي بظلال رجال تبنّى الشاعر قصصهم، وتجاربهم في الحب والخيبة والمغامرة على حافة أزمنة منهارة وأمكنة تبدّلت أشكالها وكائنات وأشياء؛ يستدعيها إلى قصائده فتتحوّل إلى ذاكرة حية، لها ماض وتاريخ وحضور غارق في التفاصيل.

إبداع متواصل
إبداع متواصل 

تلك هي قصيدة عبدالرحيم الخصار المنشغلة عن العالم بالاشتغال على ذاتها، لكنها سرعان ما تعود لتكتب العالم ذاته، وقد استلزمت من صاحبها لغة منسابة، كنهر يمضي في الشعاب، يظهر حينا ويختفي حينا آخر، لرؤيا العين فقط، لكنه موجود وراسخ وله أن يسرد لنا قصص زوارق مرّت، وأخرى غرقت، وثالثة تاهت، سيحكي لنا عن ضفتيْه، وبحره المآل. ولكنْ، أي بحر هذا الذي يجعل عبدالرحيم الخصار يعنون كتابه بالقبطان البري؟ إنها يابسة المدينة، والشوارع والأمكنة اللزجة التي تنهمر عليها الخطى.

هذا الانشطار المقصود في المعنى، يمنح القارئ، مساحة للتفكير جماليا في الطريقة التي يكتب بها الخصار قصائده، هناك حضور لافت للموسيقى، لآلاتها وعازفيها، وأصوات المغنين المنسيين في زوايا معتمة، ومدن بعيدة، حيث هناك دائما امرأة تأتي وتغيب، هناك صوتها، هناك أيضا الساعاتي والقيثار الإسباني، والموت الذي يؤكد لنا أن حبل الأيام قصير.

نقرأ في المقطع التاسع من قصيدة “حروب داخلية”: لا بحار ولا سفن/ لا قوارب ولا مجاديف/ لا صواري ولا مرْساة / أنا القبطان البري/ أخرج الخوف من دولابي/ وأبحر كل يوم في اليابسة / خطواتي أمواج/ يداي شراعان/ ونظرتي تبيد القراصنة.

ونذكر أن “القبطان البري” هي المجموعة الشعرية السادسة للشاعر، وقد صدرت عن منشورات المتوسط بميلانو.