قبعة ماغريت وتفاحته

الاثنين 2014/08/04

كنت في السوق وكان الباعة على الأرصفة يعرضون صورة المرآة التي كان نصفها الأسفل سمكيا. امرأة من فوق وسمكة من تحت. المعجزة التي عثر عليها الصيادون مرمية على السواحل.

أين؟ لا أحد يدري. كان الخيال الشعبي قد فتح كتاب ألف ليلة وليلة، وصار يبحث بين صفحاته عن ملامح تلك الحورية التي لفظها البحر أخيرا. لقد صدقت الحكاية فسُحر الناس بمشهد تلك المرأة الميتة.

كان بعضهم قد اعتبر ظهورها واحدة من علامات الساعة. القيامة باتت قريبة. ولم يكن يخطر في بال أحد منهم أن تلك الصورة كانت من صنع رسام بلجيكي، سريالي النزعة اسمه رينيه ماغريت.

كان ماغريت يومها حيا، غير أنني على يقين من أنه لم يسمع بما جرى لصورته في أسواق بغداد، وإلا لشد الرحال إلى تلك المدينة التي كتب أهلها في ما مضى واحدا من أعظم الكتب السريالية.

الليالي العربية التي كانت مسرحا للجن والعفاريت والطيور الخارقة ومدن النحاس والساحرات والقماقم والمصابيح السحرية.

لقد عاش ماغريت (1998/1967) في بروكسل ولم يغادرها. دفعه شعوره بالملل من الواقع إلى أن يخلق واقعا بديلا، هو مزيج مما يراه وما يتخيله. واقع سيكون عليه أن يقبله باعتباره الحد الأدنى لفكرة العيش.

ولهذا فإنه حين رسم صورة شخصية له، وهو ما دأب على القيام به الرسامون، فإنه اختار أن يضع على رأسه قبعة فيما غطت تفاحة خضراء ملامح وجهه.

"هذا أنا مثلما أراني في المرآة كل صباح، رجلا بقبعة، تغطي التفاحة ملامح وجهه”، كان الرجل المجهول سعيدا باللغز الذي صار يمثله في مرآة لا تظهر منه سوى ما كان يحلم به.

ومن حيث لا يعرفون كان باعة الأرصفة في بغداد ينجزون حلم ماغريت واقعيا. لقد اصطاد الرجل حوريتهم التي كانت من قبله تسكن الكتاب الذي شغفوا بحكاياته.

مع ماغريت يعدنا الرسم بحياة كنا نحلم أن نعيشها. ماغريت والبغداديون من صنف واحد.

16