قبلة حميمية تسقط قناع النفاق في حقوق المرأة التونسية

سجن امرأة تونسية بسبب تبادلها القبل مع صديقها يعد مشهدا جديدا كشف عن وجه من وجوه إذلال النساء في تونس، لأنه عكس صورة تشهيرية تحط من قيمة تونسية مارست حقا شخصيا من دون أن تنتبه إلى الخطوط الحمراء الفاصلة بين الحقوق الشخصية والأخلاق الحميدة، في حين تتعرض العشرات من التونسيات بشكل يومي للتحرش داخل وسائل النقل العمومي دون ردع، مما يجعل من هذه القضية تأخذ مسارا مختلفا يثير ضجة حول جسد المرأة بين الواقع والقانون.
الأحد 2017/10/15
التونسيات ثقة واحتماء بالدولة

تونس - فجرت قضية سجن شاب فرنسي من أصول جزائرية وشابة تونسية لعدة أشهر بسبب "قبلة حميمية"، جدلا واسعا حول حقوق المرأة بين ما هو مكتوب في الدستور ومجلة الأحوال الشخصية والحقيقة على أرض الواقع، ولفتت الانتباه مرة أخرى إلى علاقة المرأة بجسدها.

وعلى الرغم من كون المرأة التونسية تحظى -مقارنة بنظيراتها في أغلب البلدان العربية- بجملة من الحقوق يكفلها لها الدستور ومجلة الأحوال الشخصية، مما جعلها في العديد من المناسبات ترفع شعار المرأة ثورة وليست عورة، إلا أنها في كل مرة يطرأ حدث ما تصطدم بعدم التطابق بين ما يكفله لها المكتوب وما هو مجسد على أرض الواقع.

وكان آخر جدل ثار حول المرأة التونسية على نطاق واسع محليا وعالميا بشأن مسألة مساواتها للرجل في الميراث، وها هي اليوم تثير زوبعة جديدة تداولتها مختلف الصحف والمواقع الاجتماعية والإلكترونية، بتهمة التجاهر بالفاحشة، في حادثة فتحت بابا للنقاش حول واقع الحريات العامة في البلاد، وأحدثت حراكا كبيرا بين مختلف الشرائح الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي وتساؤلات عدة من بينها هل أن الدولة وصية على جسد المرأة في تونس؟ وهل تحرج حالة السكر أو قبلة عامة مشاعر الشرطة حتى يتم الاعتداء على حريات المرأة باسم حماية الأخلاق الحميدة؟ ومن يحدّد هذه الأخلاق؟ وما هو مفهومها؟

مختار الجماعي: لا تجريم في القبل باعتبارها أقل درجة من الاتصال الجنسي في القانون التونسي

مجتمعات ذكورية

أوضح عادل المعيزي، رئيس لجنة حفظ الذاكرة الوطنية بهيئة الحقيقة والكرامة (حكومية تونسية مستقلة مهمتها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية في تونس بعد الثورة)، أنه “على المستوى القانوني في تونس على الأقل القاعدة القانونية عادة ما تكون سابقة للقاعدة الاجتماعية، لذلك عند توضيح بعض المسائل الأساسية نجد فرقا كبيرا بين القواعد الدستورية وبين المفاهيم كعلم الاجتماع والتاريخ والقيم والأخلاق والمساواة وحرية الضمير والحريات الفردية الأساسية، التي تصطدم عادة بما هو موجود في الواقع، وما هو موجود في الواقع مختلف عن النصوص القانونية ولذلك في الكثير من الأحيان نجد تصادما بين الواقع والقانون".

وأضاف المعيزي لـ”العرب” “أما فيما يتعلق بهذه الحالة بالذات وبعيدا عن القواعد القانونية التي تحدثت عن الشكليات في حقوق الدفاع، فإن ما شد انتباهي هو تصريح الناطق الرسمي بالمحكمة الابتدائية، حيث أنه ترك جانبا تصرفات الرجل على أن ما حدث يعتبر حدثا عاطفيا شخصيا، وركز في العديد من المواضع على أن المرأة كانت في حالة سكر وأن نصفها الأسفل عار، وأنها كانت تقول كلاما مناف للأخلاق”، مشددا على أن هذا التركيز في المنطق الاجتماعي والقانوني يجعلنا ما زلنا نعتقد كمجتمعات ذكورية أن عواطف المرأة وجسدها منذ أن تولد هما من مشمولات الأب البطريركي الذي يسعى للحفاظ على هذه الأمانة قبل أن يسلمها للرجل الزوج الذي يسعى للحفاظ عليها قبل أن يسلمها إلى القبر، فهذه المعادلة تكشف حقيقة عن المفارقة العجيبة بين ما هو قانوني وما هو واقعي وكأن القانون ينتج مجتمعا تونسيا يستهلك ذلك القانون فحسب”.

وكشفت التحقيقات الأولية أن السلطات تعاملت مع الموقف بتحيز كبير ضد المرأة كما أشار إلى ذلك المعيزي، إذ أكد غازي مرابط، محامي المتهمين، في تصريحات صحافية أن باحث البداية منع المتهمين من استدعاء محام ينوبهما بمركز الأمن، كما لم يقم بإعلام عائلة الفتاة التونسية التي طلبت ذلك، وهذا المنع يزيح النقاب عن نظرة دونية للمرأة وتحقيرها بدل صيانتها إذ أنها لم تطلب التستر على ما فعلته بل استنجدت بعائلتها لكن طلبها قوبل بالرفض.

ويحيل طلب الفتاة إعلام عائلتها بالرغم من إدراكها لحجم التهمة المواجهة إليها في مجتمع محافظ، على أنها واعية بأنها لم تتجاوز في تصرفاتها إلى حد ما نطاق ما نشأت عليه سواء على مستوى اجتماعي أو قانوني، لكنها فوجئت بحكم أثار جدلا كبيرا حول احترام الحريات الشخصية في المجتمع التونسي.

ريم سوودي: "القبلة" كشفت عن هوة كبيرة بين ممارسات السلطة والتوجه العام للدولة

ودخلت المتهمة بعد ذلك بالمرأة التونسية ليس إلى السجن بقدر ما دخلت بها إلى دائرة مليئة بالتناقضات جعلت رواد مواقع التواصل الاجتماعي يعبرون من جديد عن غضبهم على مثل هذه الأحكام وطالت موجة الغضب عددا من المثقفين والمفكرين، والبعض من السياسيين أيضا.

وأعرب هؤلاء جميعا عن احتجاجهم على الحكم، من خلال نشر صورهم وهم يقبلون زوجاتهم، ومن بينهم وزير تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي التونسي السابق، نعمان الفهري.

وترى ريم سوودي، صحافية بجريدة الصباح التونسية، أن "قضية القبلة وما تداعى عنها من تصريحات متناقضة من قبل المتهمين وأعوان الأمن، كشفت في الآن نفسه الهوة الكبيرة بين ممارسات السلطة التنفيذية متجسمة في أعوان الأمن والتوجه العام للدولة الذي يؤسس لترسانة تشريعية حامية للحريات ومبادئ المدنية وحقوق الإنسان، ومدى تخلف النصوص القانونية للمجلة الجزائية التونسية التي لم تدخل بعد تحت طائلة المراجعة والتحيين وبين ما جاء به دستور الجمهورية الثانية من تنصيص على أن الدولة هي الضامنة للحريات العامة والفردية كما أنها الراعية لحرية الضمير”.

وهذا ما لفت إليه يوسف الشاهد، رئيس الحكومة في حوار له على قناة تونسية خاصة، مؤكدا أنه توجد بعض القوانين يجب أن تطرح على طاولة النقاش لأنها تمسّ من الحريات الخاصة.

مسمار جحا

قال الطيب الطويلي -باحث تونسي- “عندما يكون العنوان الرئيسي لإحدى أهم الجرائد التونسية ‘سجن شابين بتهمة قبلة’ مقترنا بصورة غلاف ضخمة للزعيم الرمز بورقيبة وهو يقبل زوجته، فإن هذا لا يمكنه أن يوحي بأن الأمر عفوي أو قائم على أساس مهني فقط. إذ ينبغي أن نتساءل أولا عن سبب ربط قضية لشخصين عاديين بالرمز الأول للحداثة في تونس، ثانيا نتساءل حول مدى أهمية هذه التهمة المفترضة في هذا التوقيت بالذات ومحاولة ربطها بــ’قضية المرأة’ التي تحولت إلى مسمار جحا الذي يرجع إليه الجميع من أجل أخذ مكاسب سواء أكانت سياسية أم تجارية أو اقتلاع مواقع أو رفع نسب مشاهدة. امرأة تونسية يجاهد الإعلام من أجل رفع رايتها افتراضيا في وسائله المقروءة والمرئية والمسموعة، في حين تبقى المرأة وحيدة في مجابهة قضيتها الحقيقية في معيشها اليومي ومكابدة عناء النقل الفظيع، إلى غير ذلك من الإشكاليات التي لم يقدم لها أحد يد المعونة فيها”.

الطيب الطويلي: إذا كنا صادقين تجاه المرأة علينا الرفع من نظرة المجتمع إليها ومن نظرتها لنفسها

وأوضح الطويلي لـ”العرب” “لماذا التركيز على مسألة السجن من أجل قبلة، وهو الأمر الذي لا ينطلي كثيرا على التونسيين الذين يرون في شوارعهم يوميا شتى أنواع القبل؟ كما أن اعتبار شابين قد سجنا من أجل ‘قبلة’ هو من قبيل الخيال العلمي باعتبار عدم وجود نص في القانون التونسي يجرم القبل. كم تبدو وسائل الإعلام ساذجة وهي تتجند بطم طميمها من أجل إدانة سجن شابين ‘عفيفين، جميلين، رائعين’ بتهمة قبلة، وتكون لأحدهما -مصادفة- جنسية أجنبية، ثم نتفطن عن طريق مصادفة أخرى إلى أن الشابين في حالة سكر مطبق وأن الفتاة نصف عارية وأن الشابين تطاولا على الأمن التونسي”.

وتابع “في تقديري أنه من الضروري التوقف عن التضخيم الإعلامي لبعض القضايا، في حين يقبع العشرات في السجن بتهم كيدية أو أحيانا بلا تهم دون أن يتجشم أحد عناء الحديث عنهم، ومن الضروري أيضا أن نتوقف قليلا عن الثرثرة حول ‘حقوق المرأة’ بكلام فضفاض قديم، وما علينا إذا كنا صادقين تجاهها إلا أن نقوم بأشياء واقعية ترفع في نظرة المجتمع إليها وفي نظرة المرأة إلى نفسها. فهي المرأة المكافحة التي تغادر بيتها منذ تباشير الصباح الأولى صوب عملها منتظرة الحافلة التي تُقلِّها وقد عجَّتْ براكبين من شتى الشرائح والأنواع لتتحوَّل إلى هدفٍ سَهْلٍ للتحرُّشِ والمضايقات فإذا ما بلغت مقر عملها تحول التحرُّشُ إلى تحرشٍ من نوع آخر، فهي إما مُتحرش بها من قبل رب العمل أو من زميلها في المكتب أو من المواطن الذي يقصدها لقضاء خدمتهِ، ثم تعود بعد هذا اليوم الماراطوني إلى منزلها لتنطلق رحلتها الأخرى في قضاء شؤون البيت وتلبية احتياجات زوجها. كل هذا ثم نعتبر أن حرية المرأة مستهدفة من أجل قبلة”.

وبعيدا عن القراءات المختلفة التي حفت بالقضية، فإن الباحث التونسي وضع يدا على واقع مختلف وهام جدا تعايشه أغلب التونسيات بشكل شبه يومي ويجعل جسدها هدفا سهلا أمام غياب الحماية الأمنية التي نصبت نفسها في هذه القضية مدافعا عن الأخلاق الحميدة، وغابت تماما عندما استنجدت بها شابة تدعى نسرين بسبب تعرضها لتحرش جنسي داخل عربات القطار، حيث نشرت الفتاة على حسابها بفيسبوك مقطع فيديو ذكرت فيه أن أحد ركاب قطار الأحواز تعمد الجلوس في المقعد المقابل لها في القطار وفتح سرواله وأخذ يقوم بحركات غير أخلاقية أمام الركاب دون تدخل أي شخص، وعند وقوفها أمام الباب للنزول من القطار لحق بها المتحرش ثم وقف خلفها وواصل الحركة غير الأخلاقية نفسها، وعند نزولها من القطار قام بدفعها ثم لحق بها.

وتمكنت من الهروب ولجأت إلى مركز الشرطة الموجود في المحطة لكنها وجدت استهتارا وتهاونا من الأعوان.

رجاء بن سعيد: أعتقد أن المرأة التونسية نالت الكثير من الحقوق ولا يوجد تضييق عليها

ولا تعد هذه الحادثة استثناء ولا حبكة قصصية بل واقع قادت ضده أطراف تونسية، مؤخرا، حملة تهدف إلى الحدّ من ظاهرة التحرّش في وسائل النقل، خاصة مع تزايد هذه الظاهرة، وذلك في إطار مواصلة مناصرة القانون الأساسي المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة.

وبالتالي فإن حماية المرأة التونسية والمحافظة على سلامتها وسلامة جسدها وكرامتها لا تظهر في التشهير بها في قضية تعد إلى حد ما شخصية حصلت بكامل إرادتها، بل في أخذ كل الإجراءات اللازمة والسبل الكفيلة بردع المعتدين، وهذا ما يسعى إليه العديد من المسؤولين السياسيين مع تقدم بطيء اتخذ منه بعض المعطلين لمسار تقدم الدولة التونسية مطية ركبوا من خلالها على الحدث ليحولوه إلى قضية رأي عام بطلتها المرأة التونسية بوصفها تختلف عن مثيلاتها في الوطن العربي والحال أنها لا تزال تعاني من التهميش والاستغلال والإذلال، ويتم توجهها إلى مسارات مدروسة عبر إيهامها بأن ذلك يصب في مصالحها وحقوقها القانونية والاجتماعية.

قالت رجاء بن سعيد -فنانة تونسية- "بغض النظر عن حيثيات الحادثة التي لست ملمة بها، لا يمكنني أن أوجه اتهامات باطلة لرجال الأمن أو للفتاة وصديقها لأنني لم أكن شاهدة عيان على ما وقع ولذلك فلنترك المهمة للقضاء ليأخذ مجراه فينصف صاحب الحق ويدين الجاني، ولكن بحكم عملي كفنانة أعتقد أن المرأة التونسية نالت الكثير من الحقوق ولا يوجد تضييق عليها في ممارسة حقوقها على أرض الواقع، على العكس لقد شهدت خلال الحفلات التي غنيت فيها ببعض النزل فتيات شبه عاريات ولا أحد تجرأ واعتدى عليهن".

وأضافت بن سعيد لـ"العرب" "بعد الثورة نالت المرأة الكثير من الحقوق، لكن الحالات التي تتعرض فيها المرأة للاعتداء بسبب ممارستها لبعض حقوقها الشخصية يمكن اعتبارها شاذة والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه".

عادل المعيزي: التركيز على المرأة يؤكد أنها وجسدها لا يزالان تحت وصاية الأب

رأي قانوني

قال مختار الجماعي، محامي بتونس "أعتقد أن المسألة لا تتعلّق بحريّة المرأة، إذ أن التعمّق في الأحكام المتصلة بالعلاقة بين الجنسين في القانون التونسي، من ذلك مثلا أن العلاقة الجنسية تندرج ضمن الحريات والأصل فيها الإباحة ما لم تتصف ببعض الأوصاف كأن يكون أحد الطرفين على علاقة زوجية فتكون جريمة زنى، أو أن تقلّ سنّ الفتاة عن العشرين عاما فتكون مواقعة، أو أن تكون عن غير رضى فتصير اغتصابا، أو أن تكون بمقابل فتعتبر بغاء سريّا، فإن خلت العلاقة من أيّ وصف من تلك الأوصاف فلا يطولها التجريم ولا العقاب، وعلى هذا الأساس ومن باب من أمكنه الأكثر أمكنه الأقل، فلا تجريم في القبل باعتبارها أقلّ درجة من الاتصال الجنسي في القانون”.

وأضاف الجماعي لـ”العرب” “لذا تجب الإشارة إلى أنّ ما حصل لم يكن من أجل أيّ من الجرائم الجنسية، رغم أن تبادل القبل في ساحة عمومية يشكلّ من منظور القانون التونسي جنحة ‘التجاهر بما ينافي الحياء’، بالرجوع إلى ملف تلك القضية وبحسب ما يشير إليه محضر البحث فإنّ النيابة العمومية، وجّهت إلى المتهمين تهم التجاهر عمدا بالفحش ومخالفة القرارات الصادرة لمن له النظر والسكر الواضح وهضم جانب موظف عمومي مباشر بالقول والاعتداء على الأخلاق الحميدة، وبعد اعتماد قواعد التوارد واستبعاد بعض الجرائم وثبوت أخرى، انتهت هيئة المجلس الجناحي لدى محكمة تونس الابتدائية إلى إصدار حكمها القاضي بالإدانة والعقاب بأربعة أشهر ونصف الشهر سجنا نافذا”.

وتابع “عموما وبعيدا عن افتراضات ثبوت المخالفات من عدمها، كان من الممكن لأعوان الضابطة العدلية وبعده النيابة التجاوز والاكتفاء بتوجيه المتهمين بالإقلاع عن الفعل واستبعاد التتبع الجزائي عملا بمبدأ ملاءمة التتبع، الذي يعطي النيابة سلطة مطلقة في تتبع الجرائم أو حفظها، خاصة في إطار مجتمع يعيش صعوبات اقتصادية وينشد في السياحة قطاعا منقذا من الأزمة. ومع ذلك وحتّى في ظلّ اختيار تتبع المتهمين إلاّ أنه ليس في ذلك أيّ تهديد للحريات”.

كاتبة تونسية

20