قبل اغتيال رفيق الحريري.. وبعده

الأحد 2014/02/16

بعد تسع سنوات لا يزال السؤال: لماذا اغتيل رفيق الحريري؟

من يتمعّن في ما آلت إليه بيروت ومعها لبنان، بات يستطيع إعطاء جانب من الجواب عن السؤال. بعد تسع سنوات على اغتيال رفيق الحريري، بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر. كانت مجرد صورة غير مظهّرة، مجرّد فيلم داخل كاميرا من النوع القديم. صارت بالأسود والأبيض لاحقا، وها هي تخرج حاليا بالألوان، خصوصا مع بدء جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

اغتيل رفيق الحريري لأنّه أعاد الحياة إلى لبنان. بدأ ببيروت. أعاد لبنان إلى خريطة الشرق الأوسط. ثمة من يعتقد أنّه يستحقّ القتل فعلا بعد كلّ ما فعله للبنان واللبنانيين وبعد كل ما حاول أن يفعله لكل عربيّ يمتلك حدا أدنى من الأخلاق والوفاء لأهله… ومن الوطنية.

هيّأ رفيق الحريري من أجل أن يكون لبنان مكانا للبنانيين أوّلا، يأتي اليه العرب، كلّ العرب، وأميركيون وأوروبيون وكلّ من يطمح إلى مكان آمن له ولأفراد عائلته.

بعد تسع سنوات، بات ممنوعا، على العربي أو الأجنبي المجيء إلى لبنان. كان مطلوبا المباشرة في تدمير لبنان حجرا حجرا ومنزلا منزلا وبناية بناية وحيّا حيّا ومنطقة منطقة ومحافظة بعد محافظة. كان مطلوبا نشر البؤس في لبنان من أجل إخضاعه وتهجير ما بقي من أهله ومن كفاءات. لم يعد مطلوبا سوى أن يكون اللبناني غريبا في وطنه وأن يكون أسير طائفته ومذهبه بدل أن يكون في خدمة وطنه وأن يكون وطنه في خدمته لا فارق…

كلّما مر يوم نفهم أكثر لماذا اغتيل رفيق الحريري ولماذا استهدف قبله مروان حمادة ولماذا كانت تلك السلسلة الطويلة من الشهداء بدءا بسمير قصير وصولا إلى محمّد شطح مرورا بجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار أمين الجميّل وانطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام عيد ووسام الحسن.

كلّ شهيد من الشهداء، بمن فيهم الشهداء الأحياء مثل الياس المرّ ومي شدياق وسمير شحادة يروي قصّة. إنها قصة لبنان المطلوب القضاء عليه. مطلوب إفقاره وتهجير أهله لا أكثر.

بعد بدء جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لم يعد سرّا من اغتال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما في ذلك اليوم المشؤوم. لم يعد سرا من يرفض مثول المتهمين أمام المحكمة. ما لم يعد سرّا أيضا، أنّ من اغتال رفيق الحريري لم يكن يستطيع التحرك وقتذاك، أي في يوم الرابع عشر من شباط- فبراير 2005 من دون تغطية من النظام الأمني السوري- اللبناني الذي كان يتحكّم بأنفاس اللبنانيين ويحبسها. من نفّذ… هذا أمر آخر. إنه أمر مرتبط بمشروع إقليمي راح يأخذ بعده الحقيقي في ضوء الحرب الأميركية على العراق التي انطلقت في آذار- مارس 2003 ولم يخرج منها سوى منتصر واحد هو النظام في إيران.

كانت إيران شريكا صامتا في الحرب الأميركية على العراق. كانت من سهّل على القوات الأميركية دخول جنوب العراق ثم السير في اتجاه بغداد.

كانت إيران الطرف الوحيد الذي أيّد مجلس الحكم الانتقالي الذي تشكّل على أساس طائفي ومذهبي ومناطقي بعد سقوط النظام العراقي الذي كان يجب أن يسقط. كان يجب أن يسقط ولكن ليس بالطريقة التي سقط بها، أي على يد الأميركيين وحدهم بدباباتهم وطائراتهم بدعم ضمني من ايران وتواطؤ معها.

قتل رفيق الحريري لأنّه جعل من لبنان حصنا عربيا. جعل من لبنان بلدا يؤمن به أهله ويؤمن به العرب ويؤمن به المجتمع الدولي. ولذلك، ليس صدفة بعد تسع سنوات على اغتيال رفيق الحريري أن لا يعود في استطاعة أي عربي المجيء إلى لبنان. صار كلّ عربي مهدّدا في لبنان. لم يعد فيه مكان سوى للإيراني الذي ينفّذ في غير منطقة لبنانية مشروعا استعماريا من منطلق مذهبي. ينفّذ هذا المشروع على حساب كلّ لبناني بغض النظر عن الطائفة التي ينتمي إليها. لا يشبه هذا المشروع الإيراني، الذي بدأ، منذ فترة طويلة، في التوسّع في اتجاه سوريا، سوى مشروع إسرائيل القائم على الاستيطان في القدس والضفّة الغربية وبناء مزيد من المستعمرات فيها وربطها ببعضها البعض عن طريق شبكة طرقات، بل شبكات من الطرق الآمنة.

لا شيء يحدث في الصدفة في لبنان. كان رفيق الحريري عقبة في وجه هذا المشروع الإيراني، نظرا إلى أنه كان يمثّل لبنان، كل لبنان بعيدا عن أي تعصّب مذهبي أو طائفي. كان رجل المناصفة وليس المثالثة. ولذلك قتل. مع رفيق الحريري، توقّف العدّاد عن العمل. بعد الانتهاء من رفيق الحريري، عاود العدّاد الطائفي والمذهبي نشاطه. صار المسيحيون في لبنان مجرّد حقيبة وزارية وليس نصف لبنان…

من نفّذ الجريمة معروف جيّدا. من تواطأ كان ذلك النظام السوري الحاقد الذي كان يعتقد أنّ التخلص من رفيق الحريري سيجعله يقيم في لبنان إلى ما لا نهاية وأن يحمي في الوقت ذاته مشروعه الطائفي القائم على حلف الأقليّات داخل سوريا نفسها.

كانت تلك الجريمة التي شارك فيها النظام السوري بطريقة أو بأخرى الطريق الأقصر لتعرية هذا النظام الذي اضطر إلى الانسحاب عسكريا من لبنان في نيسان- أبريل 2005 واضعا نفسه أكثر من أيّ وقت تحت رحمة إيران وحمايتها المباشرة من منطلق مذهبي بحت. لم يدرك أنه في اللحظة التي انسحب فيها من لبنان، انسحب أيضا من سوريا. ترك لبنان لإيران ووضع نفسه، كليّا، تحت رحمة النظام الايراني. تلك كانت النتيجة المباشرة لتغطيته جريمة اغتيال رفيق الحريري ومشاركته في الجرائم التي تلتها.

لمن يحتاج إلى دليل على ذلك، يمكن سؤاله هل كان النظام السوري لا يزال يسيطر على دمشق لولا إيران… ولولا الدعم الذي مصدره “حزب الله” الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الايراني؟

تدور الدوائر وتعود إلى ما هو مختصر ومفيد في الوقت ذاته. قبل اغتيال رفيق الحريري، كان لبنان يسعى إلى إعادة بناء نفسه وكانت سوريا، حتى في ظلّ النظام الطائفي فيها، تمتلك هامشا من المناورة في تعاطيها مع إيران. بعد اغتيال رفيق الحريري، صار لبنان أسير إيران وصارت سوريا في القفص ذاته.

لذلك، يبدو نضال الشعبين اللبناني والسوري نضالا واحدا أكثر من أي وقت من أجل التخلص من القفص الإيراني والخروج منه وتحطيم قيود فرضها هذا المستعمر الجديد الآتي باسم الطائفة والمذهب وكلّ أنواع الغرائز البدائية…

5