قبل الشعر وبعده، قبل الفاجعة وبعدها

الأحد 2013/12/01

من أين يبدأ الحدث بالنسبة إلى الشعر والشاعر وكيف تكون استجابة الشاعر للحدث عندما يكون الحدثُ صارخاً في وضوحه، ثم ملتبساً وصاعقاً وأكثر إدهاشاً مما في وسع مخيلة صياغته من مغامرة في الحدس وأخرى في التوقع.كيف يمكن للشاعر أن يكون صاحب قصيدة تنتمي إلى الحدث أو تستجيب إلى الحدث أو تعبّر عن الحدث أو تغامر فيه؟.


***


ماذا تريد القصيدة أن تقول لصفوف من الشهداء في الأكفان، وصفوف من الشهداء وقوفاً في طوابير الحياة اليومية لعرب اللحظة العابرة في صنعاء وبيروت وتونس والقاهرة، وبغداد التي سبقت أخواتها إلى مهرجان الدم، وحلب وحمص، ودمشق ودمشق ودمشق..


***


ماذا لدى القصيدة لتقول، ما لم يكن قد قيل، وقد انزاحت ستارة الخطاب ما بعد الإستعماري عن الاستعمار نفسه، وستارة الوطنية عن اللاوطني، والحداثي عن أنياب السفّاح، واستيقظ عرب الجهات كلها على حقيقة أن لورنس العرب مازال حياً، وأن أعمدة الحكمة الاستعمارية السبعة صارت 14. وأن الغزاة الذين كانوا يأتون من الخارج، باتوا يخرجون من تحت عباءة الحاكم، وأن حصان طروادة لم يجلب من الخارج، ولكنه كان دائما هنا في الداخل.

ماذا تقول القصيدة أكثر مما تقوله شاشة التلفزيون بينما هي تقطر دماً.. وما من دهشة أخرى غير دهشة الطفل الذي لم يتكلم بعد، الطفل المتروك لفيلم الكرتون. انتهى الفيلم وجاءت نشرة الأخبار، وظل مندهشاً.. لكن الشاعر، بعد الغداء، على الأريكة الأخرى يقرأ جحيم دانتي أو يتفحص بفضول عارفٍ تغطية مزورة لمهرجان ملون، أو خبراً في صحيفة عن أنطولوجيا شعرية بالفرنسية أو الألمانية لم يجد اسمه بين شعرائها. ها هو يغضب. الآن يمكن للشاعر أن يغضب، لأن انعدامالنزاهة طاله هو أيضاً رغم مكانته القاطعة في المزرعة الثقافية العربية!


***


بأي غضب، إذن، سيذهب الشاعر العربي إلى أرض الحدث التلفزيوني العربي. وفي أي فضاء ستخفق أجنحة الشعر وقد احتلت فضائيات الوجوه والأقنعة، ثم الأقنعة والوجوه، ثم الوجوه التي هي أقنعة، الفضاء ومداراته.


***


ماذا ينتظر من الشاعر أن يقول في مشهد الأهوال وقد بات مشهدا عربيا يوميا، ماذا في وسع الشاعر أن يقول في وصف صورته الجديدة..؟


***


ثم ما الحدث بالنسبة إلى الشاعر عربياً كان أم باكستانياً؟ أهو حدث المواطن في أرض إلهية جمعت ثقافة الثقافات وأمة الأمم، أم حدث الإنسان في أرض الإنسان؟ ينزل الفتية في الأكفان وتنزلق الأكفان في الحفر، وبأجسادهم المبلولة بالأمل يوسع الفتية أعماق الأرض. وبعد الدفن تذهب الأم إلى وحشة أيامها المقبلة ويذهب الشاعر إلى قصيدته الطفيفة.

هو ذا حدث في المسافة القاتلة بين القصيدة والمصير. كذب الصديق لا صديق لميت لو كان يصدق مات حين يموت.

حدث 1

للشهيد وجهان: صورة على حائط في منزل إخوته. ووجه غريب في القصيدة.

حدث 2

يموت العراقي في فلسطين ويموت الفلسطيني في العراق، يموت الفلسطيني في سوريا ويموت السوري في سوريا، وبين موت وموت يُصطاد الأطفال المشردون في العالم بواسطة الشباك، ويقتلون ويرمون في القمامة، ويقيدون في دفتر العالم بصفتهم هالكين لا وجوه لهم. هؤلاء الأطفال هم شهداء القصيدة اللاجئة.


***


ليس في الحدث هنا ولا في الحدث هناك على أرض الإنسان. رثائية أخرى يضيفها الشاعر على مراثي العصر، ولا نفخة صدر في القصيدة يودعها عند مصور ويدّخرها لمنبر، ومن ثم هناك على الطرف الآخر من صور الشاعر، ليس يصلح تشوّفٌ جنسيٌّ تكون القصيدة الوسيط الشعري والرسالة المبلّغ، ولا عجمة المفجوع بأمته وفي قصيدته شكل الاغتراب في أمة أخرى قرّ فيها التحضّر، وتدبَّرته الأشكال الحديثة، وفي وهم شاعر حَدَثٍ أو حداثيٌّ أن الخفّة هي كل ما تبقى للكائن. ولكنها أيضاً خفّةٌ مترجمةٌ.

وفي مواجهة كل هؤلاء تلوح لنا عصمة المعتصم براسخٍ، ولا عاصم، فالمخلخَل مما رأى الشاعر في وهمه وظنه بعض الرواسي شعراؤه الأولُ أولى بهذا الشعر.. وهم أهل العمود.عندما تسود الضعة في الأحداث عار على الشاعر أن يتواضع. على الشاعر أن يجأر بأرواح البشر كلها، وليس بروح مفردة، بروح الإنسان، الشاعر مؤتمن على تلك الروح الكلّية التي تحمي روحه المفردة.


***


بشراسة غير مسبوقة سيكتب الشاعر قصيدته، في الأزمنة السوداء، بفأس، أو بلطة مفجوعة يكتب الشاعر قصيدته، أو يسكت.

***

وإذ يستبد الحدث المروّع بالكائنات أليس مما يسرُّ الإنسان أن يتلفت فيجد خلاصاً ما روحياً وله سحره في الناس، وله ناره الكاوية، ونوره المشع في ظلام ما يحدث. ليس ضرباً من البلاغة، ولا هو ضرب من اكتشاف البلوغ.. ما أقصد، بل إشارة تعوزني إلى بأس الروح إذ يشتعل في ما لا يوصف من صنيع الشاعر وعمل الكلام، شعر لا يفسِّر حدثاً ليصير تاريخاً ولا يصفه حدثُ فيبطل فيه اللغز، لغز الوجود الحي، ونار الأمل في الإنسان.


***


في الخمسينات غاص التموزيون في الرموز، وفي الستينات أورق أمل طفيف، وفي السبعينات هاج الشعراءَ تفجعُ، وفي الثمانينات والتسعينات انقلبوا على أنفسهم، وتفجّروا كالشظايا، في الجغرافيا وفي النص، وتوزعوا السنةَ قصائد يوم ويوميات وأيام. وها هم بعد وقت لم يطل، ما أخاله طال، يقفون في القرن الجديد على أرض الشك في كل شيء، أرض الحيرة من كل شيء: من القديم ومن الحديث، من الغالب المتزن، ومن الخفيف المرح المشاكس، من المتشظي عن بنيته ومعه جمالياته (المشكوك بها)، ومن المتماسك في بنية (مشكوكاً به)… وقائمة أطول من الأفعال والصفات طال اقتتالها، عن وهم، وهي في العصب من حاجة الشعر إلى التناقض، فهو سداته ولحمته، شعر، وفي وهم الشعراء أنه خارج القراءة، وفي بصائر النقاد مساحات أدركتها القراءة وحارت هي الأخرى بها!

وما أظن هذا إلا حدثاً رائعاً فهو حدث في برزخ بين عوالم، دراما واعدة، ومنقلب يحمل المفاجآت.


***


وبعد تظهير الصورة كم سيبقى منا نحن الشعراء الذين ملأنا صحف الأحداث الجسام بصورنا وقصائدنا وكلماتنا في الشعر، ولم يأخذ كتاب لنا طريقه إلى مكتبة البيت العربي الكبير. كم سيبقى وكم سيختفي من كل هذا الضجيج؟ سؤال في فراغ ما قبل رؤية الصورة: هل نحن أبناء المغامرة، أم نحن انقلابيون، هل نحن جزء من انقلاب فاشل في تاريخ الشعر، أم جزء من سلطة المعرفة بطبائع الأشياء؟ سنّة الأشياء، عمل الطبيعة بنسلها والروح بآفاقها المجهولة، فهل كنا مغامرين أبرياء، أم مقامرين طارئين يلهون بالمعلوم.

11