"قبل النار" دراما واقعية تؤجّجها الكراهية وسط صراع البقاء

فايروس يغيّر حياة الناس كليّا وتضطرب من حولهم التفاصيل، فيما يعمق الوباء التراجيديا الإنسانية في الفيلم.
الاثنين 2020/09/07
فتاة هاربة من الجائحة تصطدم بصراعات لا تنتهي

شبه كبير بين ما يعيشه العالم منذ تفشّي وباء كورونا وبين ما يقدّمه فيلم “قبل النار”، للمخرجة تشارلي باهلر، الذي يحكي جوانب من قصّة فايروس قلب حياة المجتمعات برمّتها رأسا على عقب، لاسيما وأنّ الفيلم تمّ إنتاجه حديثا، بل إن التصوير ومراحل الإنتاج قد تمّت بالتزامن من الجائحة.

يحلّ الوباء على المدينة فتتغيّر حياة الناس كليّا وتضطرب من حولهم التفاصيل وتعمّ حالة قريبة من الفوضى في التصدّي للجائحة. ذلك هو المدخل والمشاهد الأولى في فيلم “قبل النار” الذي يمكن تصنيفه ضمن أفلام الخيال العلمي التي تتصدى لثيمة الأوبئة حين تضرب البشرية، وهو موضوع ليس بالجديد، إذ سبق لسينما الخيال العلمي أن عالجت هذه الثيمة من نواح متعدّدة، وكما هو معتاد ومتوقّع هنالك بشر ناجون وهنالك آخرون يضربهم الوباء.

لكن المعالجة الفيلمية التي اعتمدتها المخرجة الشابة تشارلي باهلر في ثاني تجربة إخراجية لها قد اتجهت باتجاه المجتمع والأسرة، وكيف أن أزمة كهذه تظهر طباعا شخصية سلبية وعداوات ونزعات انتقام، وبذلك لم تقتصر المعالجة الفيلمية على ظاهرة الوباء لوحدها بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك باتجاه شخصيات أخرى يصبح الوباء سببا لإظهار طباعهم الحقيقية.

مع تفشي الوباء يقرّر كيلي (الممثل جاكسون ديفيس) وصديقته آفا (الممثلة جينا آدامز) أن يرحلا بعيدا عن إحدى الولايات الأميركية التي ظهر فيها الوباء وهي لوس أنجلس باتجاه الولاية التي نشآ فيها والتي تقع في الجنوب الأميركي، ولكن في اللحظة الأخيرة يرسل كيلي حبيبته فيما يبقى هو بسبب متطلبات العمل الصحافي.

بهذه العودة المحزنة بالنسبة إلى آفا، سوف تعود ذكريات وتداعيات قاسية، وسوف يقع تحوّل درامي حاد، فبالنسبة إلى كيلي لم يكن يرغب في أن يرسل حبيبته لتعيش مع أسرته حيث لا يودّونها بقربهم، ومن جهة أخرى هي لا ترغب في العودة أصلا بسبب مشكلات متراكمة وقعت بينها وبين أسرتها.

وتلمس آفا المشاعر السلبية لشقيق حبيبها ماكس (الممثل رايان فيجيلانت) تجاهها والذي يطالبها صراحة إن كانت تريد أن تعيش معهم فعليها أن تعمل في المزرعة التي يمتلكونها، وبالفعل تبدأ آفا في العمل الشاق بالمزرعة ثم لتفاجأ بقدوم والدها لغرض أخذها إلى المنزل. لكنها ترفض ذلك وتقع مواجهة حادة بين ماكس ووالدها.

من هنا سوف تتأسّس أرضية من العداء المستعر بين العائلتين والذي لا نجد له تفسيرا مباشرا، وكذلك فإن مشاعر الكراهية المتفشية تتوازى مع تفشي الوباء، وإذا كان الوباء يفتك بالناس فإن الكراهية تفتك بهم على الطرف الآخر.

الاتساع المكاني في الفيلم أظهر ضآلة حجم الشخصيات وتكتلها في ما يشبه الميليشيات المتناحرة

وفي وقت تعاني فيه الأم من مشاكل بسبب داء السكري واختفاء الدواء من الصيدليات يقوم والد آفا بعملية ابتزاز؛ تسلميه آفا في مقابل توفير حصة من دواء السكري للأم، ولكن العرض لم يكن إلّا فخّا ينتهي لاحقا بقتل الأب لماكس في مشهد مأساوي. تتشابك الخطوط الدرامية وتجد العائلتان أن العداء بينهما لا سبيل للحد منه، ولكن من دون أن تتّضح بشكل مباشر أسباب الكراهية، وأما بالنسبة إلى آفا فإن الأب يصبح هدفا لها لفرط الإيذاء الذي ألحقه بها، بما فيه الاعتداء بالضرب والابتزاز والتحقير.

على الجهة الأخرى تتفاقم قضية الوباء وتتحوّل إلى ثيمة درامية وحبكة ثانوية بقدر ارتباطها بماكس الذي تم الإعلان عن اختفائه وعدم العثور عليه، نوع من الفراغ سوف يتركه ما يدفع آفا إلى الاقتراب من كيلي الذي يظهر مواقف شجاعة في الدفاع عن حبيبته.

لا تتوقف هذه الدراما في ليلة ولا نهار، فالصراع والمعاناة في العمل بالحقول تتوازيان في مقابل أحزان آفا على حبيبها الذي لا تعرف مصيره، وتنجح المخرجة خلال ذلك في قيادة الأحداث وبناء دراما متوازنة كانت تنتقل فيها بسلاسة بين الشخصيات وتتابع أفعالهم عن كثب مع مهارة ملحوظة وأداء مميز للشخصيات، وبذلك منحت المخرجة الجانب الواقعي من الحياة اليومية قيمة جمالية من خلال الاقتراب والتعمّق بالنسيج الاجتماعي وطباع الشخصيات ودوافعها.

على أن الخلفية التي تأسّست عليها القصة والدراما الفيلمية وهي تفشي ذلك الوباء التنفّسي، لا تلبث أن تظهر بشكل مفاجئ من خلال اللقاء العابر بين آفا وبين امرأة مارة تقود سيارتها فيما هي تلفظ أنفاسها بسبب الوباء الذي يجعلها تنزف دما من أنفها وفمها، وهو ما تتصدى له آفا، لكنها وفي نفس الوقت تقع ضحية له.

تقع المواجهة التي لا بد منها بعد قتل الأب لماكس وأمه وعودة كيلي بشكل مفاجئ ثم إصابة آفا بالوباء، إذ أنها تساوم الأب بمنحه ما أراد من بنادق في مقابل ترك كيلي، لكنه يكون قد أرسله إلى الموت وفي الوقت نفسه تكون هي قد نصبت للأب فخّا ينتهي به إلى الاحتراق داخل ذلك المنزل المتهالك المهجور.

على صعيد البناء المكاني فقد تم التصوير غالبا في أماكن حقيقية بالمزارع والبيوت، حيث إن الاتساع المكاني أظهر ضآلة حجم الشخصيات ثم أنانيتها وتكتلها مع بعضها في ما يشبه الميليشيا، والتي تنتهي بتراجيديا مريرة تكمل تراجيديا الوباء الفتّاك.

16