قبل زمان مقهى حسن عجمي وبعده

السبت 2017/01/28

حدث هذا قبل سنة. حدّثتُ صلاح أبوسيف عن فكرة عظيمة. صلاح كان ينصتُ خاشعاً، مثل تلميذٍ ابتدائيٍّ غضّ، مازال طعم عصا المعلّم يلبطُ فوق كفّه.

قبل سنة وكأس عرق أخيرة، قال صبري الرماحي دامَ وجهُهُ الشريف، ستتعبُ كثيراً يا آخر الصعاليك، لأنني أراك هائماً على وجهك، وتجرجر حبلاً ما إليه بعيرُ. دعْكَ من الأحلام اللذيذة، وازرعْ صحنكَ بحروف البهجة، تلك هي حكايتك أيها الوحيد.

قبل كفٍّ من سنين بائدات، زارني صالح الجيزاني، ودقّ على حائطي رأس غزال مصنوعا من بقيا شجرة، ومعلقة برأسه صرّة حرمل وبخور وصاح مبتهجاً، أن هذا هو ساترك الأمين من جوع وعطش وعوز. صالح طار صوب أميركا بلاد الأحلام كما رآها بمنامه الثقيل، ورأس الغزال هبط من خاصرة جداري، مخلفاً وراءه ضحكةً عملاقة مرعبةً، كما لو أنها تخرج من بطن قمقم عظيم.

قبل ستٍّ وعشرين سنة، أمطرت السماء سخاماً ورماداً ومذلة على بغداد وأخياتها الباقيات على ذمة الخريطة الرافدينية.

كنا قانطين بمقهى حسن عجمي، وكان طعم الشاي مرّاً مثل هزيمة مجلجلة. كان أحمد السمين منهمكاً بجمع سعر الشاي المشروب، وهادي السيد حرز يسوّد الورق بكاربون المتنبي. صباح العزاوي يفتش بين الوجوه عن ضحية طيبة ممكنة، ثمنها لفة فلافل ونصيّة عرق رخيص من زقاق ميت يتكىء على حوائط جامع الحيدرخانة.

حسن النواب يرجف مثل سعفة، وكزار حنتوش يقسّم شِعرهُ في رؤوسٍ كثيرةٍ. الأدباء الطاوليّون يدعبلون النرد بمستطيل الخشب الحائل، ويؤجلون الثرثرة في حداثة القصيدة والقصة، ورسائل أدونيس التي تبشّرهم بوهم الخروج من محبس السيّاب.

قبل اثنتين وعشرين سنة، كنت صحبة محمد تركي النصار، نعيش بجوف ثلاجة معلقة اسمها غرفة نازك ضمرة العمّونيّ. كنا نطحن بقايا المعدة ونداوي الكأس بوهم العناوين.

قبل ثلاثة أيام وليلة وسيجارة وكوب قهوة، تذكرت ابتسامة جمال السوداني، وخرائط السفر التي كان يفرشها على تخوت المقهى العتيق.

قبل ساعتين كنت أنصت مفتوناً لعوض دوخي الدافئ، وهو يجوّد رائعته “صوت السهارى”.

قبل سبعة سطور من الآن، كنت أعيد تظهير شريط طويل، تسيح فوقه وجوه وأسماء وحكايات أصدقائي الموتى.

24