قبل سبعة عقود الأميركيون يوصون جنودهم

الاثنين 2013/08/19
الجنود الأميركيون بعد حفظ وصايا دليل العراق

تصاعد الاهتمام الأميركي بالعراق مع نشوب الحرب العالمية الثانية وشعور الأميركيين بأن مصالحهم النفطية في المنطقة باتت في خطر، لذلك استقر رأيهم على المشاركة في الجهد العسكري البريطاني ضد دول المحور، وعندما تقرر إرسال جنود أميركيين لهذا الغرض لم يكن العراق معروفا لدى الأميركيين العاديين، كما كانت أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية غائبة عن أذهانهم، لذلك أصدرت وزارة الحرب الأميركية كراسا عممته على أفراد جيشها المغادرين إلى العراق أسمته "دليل العراق المختصر" تضمن تعريفا موجزا بأوضاع العراق وأحوال شعبه، ووصايا إلى الجنود بخصوص ما هو مطلوب منهم وما عليهم اتباعه، وقد نشر عام 1943 وحملت صفحته الأولى عبارة "لاستخدام العسكريين فقط ولا يجوز إعادة نشره كليا أو جزئيا إلا بموافقة وزارة الحرب".

وخاطب الكراس في مقدمته الجندي الأميركي بالقول: "إن نجاح أميركا في العراق أو فشلها يعتمد على ما إذا كان العراقيون يحبون الجنود الأميركيين أم لا، لذلك فإن واحدا من أهم واجباتك هو أن تقترب من العراقيين وأن تجعلهم أصدقاء لك، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي أن تفهمهم جيدا".

ويعرض الكراس بعض المشاهد من واقع الحياة في العراق مخاطبا الجندي بالقول: "في بغداد ستشاهد شارعا يبيع فيه التجار الأواني الفخارية التي كان أجدادهم في زمن ألف ليلة وليلة يبيعون مثلها بالضبط، وعلى مقربة من ذلك ستشاهد سدودا عظيمة ومصافي حديثة مساوية تماما لتلك التي تشاهدها في أميركا، وإذا ما قدر لك أن ترسل إلى منطقة حقول النفط فسوف تكتشف عجائب من المباني الهندسية الحديثة جنبا إلى جنب مع المصافي البدائية التي بنيت قبل ألفي سنة وما تزال تعمل".

العراقيون محاربون شديدو البأس

وفي العراق سوف تقابل رجالا طويلي القامة ذوي شوارب بارزة وشعر طويل يرتدون العباءة والعقال وعادة ما يكون أي من هؤلاء الرجال محاربا شديد البأس وعلى درجة عالية من المهارة في حرب العصابات، وفي الحقيقة إنه يعادل بضعة محاربين في بلد آخر، وإذا ما أصبح صديقا لك فإنه سوف يكون حليفا مخلصا ونافعا، أما إذا حدث أن تحول إلى خصم فعليك أن تكون يقظا! هل تتذكر"لورنس" العرب؟ لقد دخل التاريخ في الحرب العالمية الأولى بمثل هؤلاء الرجال"!

"والعراقيون أذكياء ودهاة ويميلون إلى أن يسمعوا ويروا بعيونهم وآذانهم وليس بعيون وآذان الآخرين، وبما تفعله وكيف تتعامل يمكنك أن تحصل على الكثير مما تريده وأن تربح الحرب كما تربح السلام بعدها.. ومع أن بين العراقيين بعض الاختلافات الدينية والقبلية فإنك إذا ما استطعت أن تربح صداقتهم وثقتهم سوف تتمكن من جمعهم بأسهل مما تتصور لخدمة قضيتنا المشتركة".

حماية حقول النفط

ويعرج الكراس إلى الحديث عن مدن العراق المهمة فيذكر بغداد التي يقترب عدد سكانها من خمسمئة ألف نسمة تجيء بعدها الموصل ويصل سكانها إلى مئة ألف ومثلها سوق الشيوخ ثم ميناء البصرة، وفي الشمال هناك مدينة كركوك التي تضم حقل النفط المهم حيث يلفت الكراس نظر الجندي الأميركي إلى أن "حماية هذه المنطقة والدفاع عنها سيكون واحدا من أكثر الواجبات العسكرية أهمية وخطورة خاصة وأن البترول يشكل المصدر الأساس لتموين القطعات العسكرية المرابطة في منطقة الشرق الأوسط والهند، وهو يغذي أيضا الأسطول المرابط في البحر المتوسط".

"وفي العراق أربع مدن لها قدسيتها وحرمتها هي كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، وما لم تكن مدعوا لزيارتها فالأفضل أن تظل بعيدا عنها، والأفضل أيضا تجنب أية مناقشات دينية أو سياسية، وربما يبدو هذا مطلوبا في العراق أكثر من أي بلد آخر بسبب أن المسلمين هنا منقسمون إلى طائفتين، لذلك عليك ألا تهتم حتى ولو بمقـــدار حبة لأية مناقشــات تطــرأ أمــامك بين العراقيين بخصوص أمور دينية، هـناك أيضا اختلافات سياسية بين العراقيين أربكت الدبلوماسيين ورجال السياسة، ومـــن المؤكد أنك لن تستطيــع أن تفعل شيئا فيما لو أقحمت نفسك فيها".

ظاهرة "العين الحسودة" تزرع الشر

يفرد الكراس فقرة مطولة للتعريف بالتقاليد والعادات العراقية التي يرجع معظمها في جذوره إلى الدين مثل الصيام في شهر رمضان ومراسم الأعياد والمناسبات الدينية ويشرح ظاهرة ما يسميه بـ"العين الحسودة" التي يقول: "إن الكثير من العراقيين يؤمنون بها ولها تأثير كبير على عقولهم وقد يعمد بعضهم إلى حمل "تعويذة" تقيهم من هذه العين الشريرة كما قد يحدث عندنا، وأنت إذا ما حدقت في عيني أحد وخاصة الأطفال فإن هناك من يعتقد أن عينك حسودة وقد يعمد إلى حمل حرز لوقايته من شرور عينك، وفيهم من يعتقد أن عدسة الكاميرا هي عين شريرة، لذلك عليك تجنب التصوير إذ قد تفاجأ بسكين تطعنك في ظهرك".

وعن السلوك الشخصي لدى العراقيين يقول الكراس: "إن المصافحة بالأيدي دليل احترام ومودة وستجد من يحييك مصافحة ويشد على يدك وعليك أن تكون مستعدا للرد بنفس الروحية، ولكن لا تمسك العراقي أو تلمسه بأية طريق أخرى ولا تسحب يديه أو تلويهما ولو على سبيل المزاح ولا تصفعه على ظهره إذ أن مثل هذه التصرفات تعتبر انتهاكا لقواعد السلوك المطلوب".

وحول المرأة يقول الكراس: "إن النساء العراقيات لا يختلطن بالرجال، وهن يقضين أغلب الوقت مع أسرهن .. وعليك ألا تحاول إغواء امرأة أو جذب انتباهها لك في الشارع أو في الأماكن العامة ولا تحاول التسكع على مقربة منهن عندما يتسوقن، وإذا ما وجدت المرأة الفرصة لرفع حجابها لا تحدق فيها ولا تبتسم لها، هذه القواعد مهمة وخرقها قد يخلق لك المتاعب".

وعن عادات الضيافة يقول الكراس: "إنك إذا كنت مدعوا على مائدة أسرة عراقية في المدينة فعليك ألا تأكل الكثير مما يقدم في الصحن الأول إذ غالبا ما ستكون هناك صحون أخرى لاحقة، أما في الأرياف فسوف لن تجد طاولة أو صحونا أو ملاعق أو شوكات وتوقع أن تجلس على الأرض وأنت تتناول الطعام تماما كما يفعل مضيفك، لف ردن يدك اليمنى إلى الأعلى وكل برؤوس أصابعك إذ أن استخدام اليد اليسرى في الأكل يعتبر سلوكا سمجا، وإذا ما أمسك مضيفك بيده بعض الطعام وقدمه لك عليك أن تأكله بامتنان، وعند الفراغ من تناول الطعام فسيجلب الماء لغسل يدك ومنشفة لتجفيفها.

12