قبل فوات الأوان

الخميس 2013/07/25

شرعية تتآكل ومكونات سياسية تتلاشي ومؤتمر وطني عام يتفسخ وينهار، وحكومة تحاصرها الجماعات المسلحة وتحاول ابتزازها وتعطيلها عن أداء مهمتها، وشارع يعاني الإحباط والشعور بخيبة الأمل، ويقوم بحركات احتجاجات متفرقة للعودة بالثورة إلى مسارها دون جدوى، فاستفحلت الأزمة السياسية، واستمرت ظاهرة العنف المسلح خاصة فيما يتصل بالصراع بين الجماعات المسلحة، مما يضع ليبيا على مشارف الدولة الفاشلة كما تحددها المقاييس الدولية.

وإذا كان لي أن أحدد اللحظة القاصمة لظهر الشرعية في ليبيا ومؤسستها الرئيسية، وهي المؤتمر الوطني العام، لقلت أنها يوم صدر القانون السيء السمعة الخاص بالعزل السياسي، الذي سبقته إرهاصات كثيرة، وتنسيقية تتصدرها الجماعات المسلحة لفرضه بقوة البنادق على المؤتمر الوطني.

وكان واضحا أن جماعة الإسلام السياسي قد تكاتفت وتآزرت، وأعلنت التعبئة بين صفوفها، وشحذت سكاكينها وأعدت هذا القانون لتصفية الحساب مع خصومها السياسيين، وفي مقدمتهم الليبراليين متمثلين في كتلة التحالف الوطني بقيادة محمود جبريل، واستطاعت فعلا أن تنجح في إرغام مؤتمر الشعب العام على إقراره في مطلع يونيو الماضي، ليبدأ ضحاياه في التساقط بدءا من إبعاد رئيس التحالف الوطني، وإقالة رئيس المؤتمر أو استقالته، وإقالة عدد من الوزراء في حكومة زيدان، الذي خسر إثنين من أكثر وزرائه كفاءة ونشاطا وقدرة على التعامل مع حالة الفوضى في مجالي قوات الأمن والجيش وهما السيد البرغثي والسيد شوايل.

ثم انقلب السحر على الساحر، فإذا بحزب العدالة والبناء يضطر إلى تجميد نفسه، ويخرج رئيسه محمد صوان مطالبا بإعادة النظر في هذا القانون المتعسف، الذي يفرض العزل على من عمل في أي موقع قيادي، خلال 42 عاما من حكم القذافي. ولن أتحدث عن مثالب هذا القانون، ولكن أترك ذلك للرجل الذي عهدت له الدولة الليبية رئاسة المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، وكان في طليعة قادة ثورة 17 فبراير، ومسؤول حقيبة العدل في وزارة الثورة، أو ما كان يسمى المجلس التنفيذي وهو السيد محمد العلاقي، الذي أدان هذا القانون بأقسى العبارات قائلا بأنه: «يتعارض مع أبسط القواعد القانونية وليس فقط مع قانون العدالة الانتقالية، فهو نوع من العبث التشريعي والسياسي، نوع من إنتاج الخصوم بالمجان، ولا تقتضيه المرحلة على الإطلاق. إنه ليس قانوناً بل سقطة من السقطات»

ولست هنا من أجل أن أعيد المقولات التي خرجت تدين هذا القانون وهي كثيرة جدا، وقد أصدرت بعضها منظمات حقوق الإنسان العالمية، مثل منظمة العفو الدولية، ولكنني أقول أن المفارقة أن يصدر هذا القانون، عن قيادة ثورة أشاد بها العالم وناصرها لأنها انطلقت في وجه أعتى الأنظمة الاستبدادية في العالم، فإذا بهذا المؤتمر الوطني العام الذي استلم القيادة بعد أن جاء به صندوق الاقتراع، يصدر قانونا يعيد إنتاج الواقع الاستبدادي الذي أسقطته الثورة، مناقضا لأبسط مبادئ العدالة. مع أن الحجر على أزلام النظام السابق وإبعادهم لم يكن يحتاج لقانون من هذا النوع، وإنما إلى سطر واحد في قانون للعقوبات يقضى بعزل وإقصاء كل من صدر ضده حكم قانوني بالانحراف، أو أهدار أموال الشعب أو سرقتها، أو استباحة عرض أو مال أو الاعتداء على حياة أي مواطن ظلما وعدوانا، أو قام بأي نوع من أنواع الانحراف الأخلاقي والسياسي، وعندها لن يصبح العزل وحده عقابا وإنما تأتي فوقه العقوبات التي يصدرها ضده القضاء سجنا أو مصادرة لأملاك منهوبة، أو استردادا لمال مسروق.

ما يعنينا الآن هو، كيف يمكن الخروج من هذا المأزق، وما هو الحل الذي ينقذ البلاد من الوضع المتفاقم، نتيجة ما تعانيه الشرعية في ليبيا من تفسخ وانهيار، وما تعانيه البلاد من فوضى، وما يعانيه الوضع الأمني في البلاد من استفحال الصدامات المسلحة، واستمرار ظاهرة الجماعات التي تمارس العنف خارج الدولة وخارج القانون؟

لا أدري إن كان من حقي الاعتماد على كلمة رئيس المؤتمر نوري بوسهمين، بمناسبة إقرار قانون انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، عندما أشار إلى أن هذا يعني اقتراب المجلس من إنهاء مهمته، واتخاذ هذه الكلمة منطلقا لضرورة الإسراع بأن ينتهي هذا المؤتمر حقا ويختفي من الوجود ولكن ليس قبل إنجاز هذه المهمة. أي بتعبير أكثر وضوحا، الإسراع في وتيرة الانتقال للشرعية الجديدة، ومباشرة بناء أركان الدولة وأسسها المستدامة من صياغة للدستور وإجراء انتخابات نيابية وانتخابات رئاسية، خلال المدة المتبقية من عمر المؤتمر وقبل نهاية هذا العام.

لقد سمعنا من يقول أن ما تبقى من عمر المؤتمر الوطني لا يكفي لإنجاز المهمة، ولكنهم أمام تفويض بهذه المدة، وقد انتخبهم الشعب على أساس هذا المدى الزمني، ولا يجوز لهم أن يمنحوا أنفسهم تفويضا جديدا، حتى لو كان هذا الزمن الإضافي ممكنا تحت ذريعة الضرورات التي تبيح المحظورات، فإن ما يعانيه المؤتمر من تفسخ وانهيار يقول بلغة الواقع وحقائقه الدامغة، أنه لم يعد مؤهلا للاستمرار فوق دورته المحددة ومداه الزمني الذي يقتضي أن يسلم فيه السلطة، لغيره من مؤسسات مستديمة.

ولعل فكرة العودة إلى دستور الاستقلال المعدل كما تقترح بعض الأصوات، لما توفره من وقت وما تعنيه من استناد إلى مرجعية تاريخية، تستحق النظر بشيء من الجدية والتمعن، والاستعانة بها لإنقاذ الوطن، وإنقاذ الشرعية الضائعة، قبل فوات الأوان.

1