قبل يونيو 1967 بقليل.. مصر تستنسخ الهزيمة

مصر حاليا تنتكس إلى ما قبل هزيمة 1967 بتكرار الوجه الاستبدادي للتجربة، مخصوما منها وجوه مضيئة في استقلال القرار الوطني وتوفير حياة كريمة للمواطن.
الثلاثاء 2018/10/23
هل نحتاج إلى أقل من طوفان للإفاقة؟

لم تفاجئ هزيمة يونيو 1967 ذوي البصائر. لم يكونوا أصحاب قرار، ولكنهم قالوا كلمتهم وأبرأوا ذمتهم، وحذّروا من طوفان لا تمنعه حماسة الأناشيد والأغاني، وهستيريا “الهتّيفة” في تشنجهم لتأييد كل من اعتلى الكرسي. وحين أتيحت لبعض المخلصين مناقشة جمال عبدالناصر غلب عليهم الوفاء لضمائرهم، في حضرة رئيس يتمتع بفضيلتيْ الإخلاص الوطني وحسن الإنصات، ويجادل بعدم مواتاة الظرف العام لتحقيق أحلام الحالمين بالديمقراطية. ثم أثبتت التجربة المريرة أنهم كانوا على حق، فاكتسحت الهزيمة كل شيء، ولم يتمكن الاستبداد من إنقاذ ثورة يوليو 1952، بل أسهم في تقويضها، وهو ما يُتوقع حاليا في ظل استبداد تنقصه فضيلتا الرشد والإنصات، ويسخر من كل صاحب طرح مختلف، ويسفّه آراءه ويطلق ذئاب الإعلام للنيل منه.

كان الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا صائبا بقوله “الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم بإعادته”. وفي مصر يطلق مصطلح “إعادة السنة” على الرسوب في الامتحان، وعلى كل طالب فاشل إعادة أداء الامتحان في السنة التالية، وتخصم سنة كاملة من عمره، ولكن الأمم لا يتاح لها هذا الترف، فالإعادة لا تكون لسنة، وإنما لمرحلة تترك جراحا لا تبرأ منها الأجيال. ومصر حاليا تنتكس إلى ما قبل هزيمة 1967، بتكرار الوجه الاستبدادي للتجربة، مخصوما منها وجوه مضيئة في استقلال القرار الوطني، ومجانية التعليم، والإصلاح الزراعي، وبناء قاعدة صناعية، وتوفير حياة كريمة للمواطن فلا يُفني عمره، ويستنزف طاقته، في أعمال صباحية ومسائية؛ لتدبير الحد الأدنى للحياة، كما يحدث الآن.

الإعادة غير الاستعادة. في الأولى نسخٌ كسول للماضي منتزعا من سياقه وشروطه الموضوعية، وفي الثانية قراءة واعية للتاريخ؛ لتفادي أي تكرار يهبط بالكارثة إلى مستوى المسخرة. وإذا كنا في مصر الآن نستنسخ ما قبل هزيمة 1967، فلا بد من استعادة لحظة لا يصح إغفالها، وبطلها الكاتب خالد محمد خالد الحالم بالعدل والحرية منذ العهد الملكي، في كتابيه “من هنا نبدأ” 1951، و”مواطنون لا رعايا” 1951. وفي عام 1961 دارت مناظرة، نقلها التلفزيون مباشرة، بينه وبين عبدالناصر في اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي انبثق عنه الاتحاد الاشتراكي وإصدار الميثاق.

فوجئ خالد محمد خالد بعبدالناصر يطلب موافقة الحاضرين على عزل مواطنين وشخصيات عامة عن العمل السياسي، بوصفهم أعداء للثورة (إقطاعيين وانتهازيين وعملاء)، فسأل نفسه: ألا يزال في مصر إقطاعيون وعملاء بعد عشرة أعوام على الثورة؟ وفي الجلسة الأولى تحدث خالد عن دور الاشتراكية في تحرير الفرد من الخوف والجوع، وإن “الوضع الديمقراطي الكامل” يرفض وجود امتيازات سياسية. وعقبت الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) قائلة “ذكر الزميل خالد أن الرسول قال يوم الفتح ‘من دخل المسجد الحرام فهو آمن’، لكنه لم يذكر أو لعله قد فاته أن الرسول أمر بقتل أفراد ولو وجدوا تحت ستار الكعبة”.

الإعادة غير الاستعادة. في الأولى نسخٌ كسول للماضي منتزعا من شروطه الموضوعية، وفي الثانية قراءة واعية للتاريخ؛ لتفادي أي تكرار يهبط بالكارثة إلى مستوى المسخرة

ولكن وزير الإرشاد السابق محمد فؤاد جلال دعا إلى التريّث، وتساءل: رسول أمين يأمر بقتل الناس هكذا دون محاكمة؟ ونفى أن يكون الرسول قد أراد قتل أعدائه السابقين لمجرد أنهم أعداء سابقون، واستشهد بأبي سفيان الذي قربه الرسول. ثم انتهج الأمين العام للجنة أنور السادات نهجا بوليسيا بقوله “المعارض للعزل السياسي يقف”. سلوك يتنافى مع تقاليد برلمانية تحصي أعداد الموافقين، ولكن السادات أراد إرهاب المعارضين. ولم يقف إلا خالد محمد خالد.

وتضمنت الجلسة الثانية مناظرة تبدو استعادتها الآن كأن طرفيها مفكران بارزان. استعرض عبدالناصر مفهوم الديمقراطية في تجلياتها وتنوعاتها، وشدد على وجود أعداء يكرهون الثورة الاجتماعية التي تحتاج إلى تأمين. ورأى خالد أنه “ليس من صالح أحد أبدا أن يسلح الشعب في فترته الانتقالية هذه بشعارات عنيفة أبدا، يجب أن نسلحه بطبيعته الطيبة”، وطلب العدل “لمن نسميهم أعداء الشعب”، راجيا للثورة المزيد من الكمال السياسي. وجادله عبدالناصر بأن حرية الكلمة موجودة، وذكر عناوين كتب لخالد كادت تمنع، وهو الذي سمح بنشرها. وأسهب خالد قائلا إن الديمقراطية “أن يكون الشعب قادرا على أن يختار حكامه باقتراع حر، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغير حكامه باقتراع حر. الديمقراطية هي أن يمارس الشعب مسؤوليته، وأنا لا أجامل حين أقول إننا إذا أضعنا على الشعب فرصته الكاملة في أن يمارس الديمقراطية بمفهومها الذي ذكرته الآن، فإننا نحرمه فرصة العمر”.

أقر خالد محمد خالد بأنه نعم بالحرية في ظل حكم عبدالناصر، “أكرر قولي أن الله سخره لحمايتي” بنص كلامه لغالي شكري (مجلة “القاهرة” مارس 1996)، ولكنه تساءل “ما فائدة الحرية الممنوحة لفرد دون بقية أفراد الشعب؟”. وقد ظل يرى عبدالناصر “صاحب حلم خارق… رجلا مثاليا… لدرجة التشاؤم”، مدللا على هذه المثالية المتشائمة بلقاء مع عبدالناصر، في منزل الزعيم الذي رد على سؤال الديمقراطية بأنه لا يستعجل، “قدامنا 20 سنة تكون الثورة انتهت من أعدائها”. ولكن حقائق الأمور أن “الدكتاتورية أكلت الثورة”، ولو طبقت الديمقراطية لتكفلت بحماية مكتسبات ثورة انتكست مؤقتا بهزيمة 1967، ثم جاءت عاصفة السادات لتقضي على إنجازات الثورة، وطمس ما كان يمثله عبدالناصر في كافة المجالات، فالنية الحسنة، المثالية، لا تضمن استمرار سياسات ترتبط بإرادة شخص في غياب مؤسسات وقواعد سياسية مستقرة.

بين كنا وأصبحنا يلزم التوقف. كنا نحتمل الاستبداد السياسي في مقايضة، مؤقتة ربما، على مكاسب كبيرة في المجالات الأخرى، ونحيا على أمل بناء دولة نشهد نهوضها، وتمنحنا اعتزازا وكبرياء أينما نذهب، وهو ما لم نسترده إلا في الأشهر القليلة التالية لثورة 25 يناير 2011. وأصبحنا نعاني الأمرّيْن: الاستبداد ومظاهر “شبه الدولة” من انهيار التعليم والزراعة والغلاء. والأخطر من هذين الأمرّيْن هو فقدان الأمل وإهدار الكبرياء. هل نحتاج إلى أقل من طوفان للإفاقة؟

8