"قبو السينما" في كركوك يعرض ما تبقى من أرشيف الأفلام في العراق

عبدالقادر الأيوبي عراقي حوّل قبو منزله إلى متحف للفن السابع في بلد اندثرت فيه دور السينما.
السبت 2018/08/04
الأيوبي مرشد التربية والسينما

كركوك (العراق) - في غرفة لا تتخطى مساحتها 50 مترا مربعا، يصدح صوت فريد الأطرش من فيلم بالأبيض والأسود على شاشة قماشية كبيرة، فيما يقوم العراقي الستيني عبدالقادر الأيوبي بتشغيل ماكينة العرض، داخل قبوه الذي حوّله إلى متحف للفن السابع في بلد اندثرت فيه دور السينما.

داخل ذلك القبو الصغير، كدس هذا المرشد التربوي الأنيق مواد وتسجيلات أرشيفية، من أفلام وبكرات (8 و16 و35 ميلمترا)، إضافة إلى شاشات وآلات عرض.

كلّ ذلك جمعه من متاجر للأغراض المستعملة في كل نواحي العراق، وأحيانا بأسعار باهظة. كل شيء في هذا القبو قديم.

في السبعينات من القرن الماضي، كانت مدينة كركوك شمال بغداد، حيث يعيش الأيوبي وحسب ما يروي، تعدّ وحدها خمس دور للسينما، هي الخيّام والحمراء والعالمين والأطلس وصلاح الدين.

وكانت كل قاعة متخصصة في عرض أفلام دون غيرها لارتباطاتها بشركات توزيع معيّنة، فكانت قاعة الخيام على سبيل المثال تعرض الأفلام الأميركية والهندية مع قاعة العالمين التي تعرض الأفلام الهوليوودية أيضا، فيما كانت سينما الحمراء تعرض الأفلام العربية.

وبعد قرار الحكومة العراقية بمقاطعة البضائع الأميركية سنة 1967، تراجع استيراد الأفلام الأميركية لتعوضها السينما الفرنسية والإيطالية وحتى اليونانية التي تعتبر أقل جودة من أفلام هوليوود فبدا تراجع الإقبال الجماهيري على ارتياد دور السينما.

ويضيف الأيوبي الذي بدأ شغفه بالسينما حين كان في العاشرة من عمره، إن دارين أخريين “الدنيا” و”الغازي” كانتا موجودتين أيضا في وقت سابق، لكنّ القاعتين تحولتا إلى محلات تجارية تبيع أشياء لا علاقة لها بالسينما.

وعلى غرار كركوك، كانت لكلّ مدينة عراقية أخرى صالاتها السينمائية أيضا مع اختلاف الشهرة في ما بين الواحدة والأخرى.

لكن في العام 1980، دخل الرئيس الأسبق صدام حسين في حرب مع إيران، فكان النزاع الأول في سلسلة حروب تواصلت في البلاد على مدى سنوات عدة، قضت على دور العرض في هذا البلد.

المكان الوحيد الذي يُسمع فيه صوت بكرة العرض هو قبو منزل الأيوبي. فهناك، وأمام مقاعد جلدية قليلة يلتقي كلّ أسبوع عشاق الفن السابع، من أمثال غسان حوا.

في ديسمبر الماضي، أعلنت السلطات العراقية “النصر” على تنظيم الدولة الإسلامية، بعد حوالي أربع سنوات من معارك دامية لطرده مما يقارب ثلث مساحة البلاد التي سيطر عليها في العام 2014.

ومذ ذاك الحين، تدنى مستوى العنف في البلاد بشكل كبير، لكن الحياة الثقافية التي طبعت العراق على مدى قرون، تقلصت إلى حد كبير أيضا.

بين الحروب والحصار الدولي على مدى 12 عاما، ومن ثمّ سيطرة الميليشيات والجهاديين، خفّ وهج السينما في العراق.

أما اليوم، فمعظم دور العرض أقفلت أبوابها باستثناء بعض الصالات داخل المراكز التجارية في العاصمة بغداد، أو البصرة في جنوب البلاد.

 وفي مدينة كركوك متعددة الأعراق، حيث يعيش الأكراد والتركمان والعرب، يقول الأيوبي “لم تبق أي سينما لأسباب عدة، أبرزها الأمنية”، وهو ما أثّر على الإقبال الجماهيري على دور السينما التي اضطرت للإغلاق بعد الخسائر التي تكبدتها من جراء انقطاع استيراد الأفلام الأجنبية بسبب غلائها.

ومن الأسباب الأخرى التي ساهمت في قلة ارتياد دور السينما في كركوك، ظهور الصحون اللاقطة ثم الإنترنت والأقراص المدمجة التي ساهمت في الحصول على الأفلام بأسعار زهيدة.

لذا، فإن المكان الوحيد الذي يُسمع فيه صوت بكرة العرض هو قبو منزل الأيوبي. فهناك، وأمام مقاعد جلدية قليلة يلتقي كلّ أسبوع عشاق الفن السابع، من أمثال غسان حوا.

يقول حوا الذي يعمل موظفا في شركة نفط الشمال “عند عبدالقادر نشاهد أفلام الحركة وأيضا الرعب”. ويروي هذا الرجل البالغ 42 عاما أنه بالكاد عاصر زمن دور “الأطلس والحمراء والعالمين”، يقول “اليوم الجميع يشاهد الأفلام عبر أقراص الفيديو الرقمية أو من خلال الإنترنت”.

وفيما يتحلق الشغوفون حول الأيوبي، يوضح حوا، “نحاول إحياء السينما التي اختفت، خصوصا في كركوك”، لكن أفلام الحركة والرعب ليست هي ما يثير شغف الأيوبي، بل هو يفضّل “الأفلام العربية”.

ولذلك، يعلّق على جدران القبو ملصقات أفلام “فتاة شاذة” من بطولة رشدي أباظة وإنتاج العام 1964، و”بياعة الجرايد” لماجدة ويوسف شعبان (1963)، و”ليتني ما عرفت الحب” بطولة محمود ياسين وميرفت أمين الذي أنتج في العام 1976 ويحكي قصة فتاة قاتلة هاربة من مستشفى الأمراض العقلية، تقع في حب ضابط شرطة يكشف جريمتها.

شغف عبدالقادر الأيوبي لا يقتصر على الأفلام العربية، بل هو يهتمّ بعض الشيء بالأفلام الأجنبية، وخصوصا من نوع “ويسترن سباغيتي” أي أفلام الغرب الأميركي التي أخرجها إيطاليون، ويعلّق ملصقاتها في متحفه الصغير، الذي يفتح للجمهور في نهاية الأسبوع والعطل.

ويقوم الأيوبي بدور المرشد في هذا المتحف، ويقدّم تفاصيل عن المحتويات والملصقات وكلّ شيء فيه من أجل جذب الشباب الذين “لا يعرفون شيئا عن السينما الأصيلة”.

20