قبو معتم وقبة منيرة، أفكار أولية ونقاط حديث

الأحد 2015/02/15

ما الثقافة؟ تعريف استرشادي مقترح: «هي ذلك الكلّ المعقّد الذي يتضمّن المعارف والمعتقدات والفنون والآداب والأعراف والقوانين وغير ذلك من منجزات الإنسان كفرد أو كمجتمع، أي هي جميع معارف الإنسان المتعلّقة بالطبيعة والمجتمع والتي يطلب فيها الحذق. والثقافة تبدأ من لحظتين؛ لحظة اكتشاف النّار (بدء الحضارة المادية) ولحظة اكتشاف القناع (انفصال الإنسان عن الحيوان والطبيعة عبر استخدام القناع لتوفير غطاء فكري يؤسّس تميّزه عنهما)، وهي تكتنز حقولا من الخبرات والتّجارب والمنجزات والمعتقدات وأنماط السلوك الإنساني المؤطّرة لغويا ومعرفيا والتي يمكن من خلالها تمييز الهويّات».

(لصوغ هذا التعريف الموسّع الذي أريد له أن يكون جامعا ومدققا ليكون قابلا لنقاش ثريّ يغنيه، تم استلهام تعريفات متداولة في حقول معرفية عديدة ومنها تعريف إدوارد تايلور، وتعريف اليونسكو، ومجمع اللغة العربية).


من هم المثقفون العرب؟


ليس لعبارة “المثقّفين العرب” التي سنكرّر ذكرها أن تحيل إلى صورة أو فكرة مجردة أو مفهوم يحيل إلى أفراد أو ثلّة من الأفراد، أو حتى مجموعات من الأفراد توجد في كل بلد من بلاد العرب، بل إلى فئات وقوى مجتمعية واسعة، راسخة الوجود بالقوّة أو بالفعل، إنّ المثقفين العرب أناس من رجال ونساء مؤهلين لتحليل مجتمعاتهم تحليلا معمّقا، وقادرين على التّصدي لمناقشة أحوالها وقضاياها، واقتراح الحلول الممكنة لها، وذلك عبر تكوين رؤية لما يجب أن يتجه صوبه هذا المجتمع العربي أو ذاك على الصعيد الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي،

وعبر بناء خطاب نقدي يستهدف رفض الوضع القائم في المجتمع على الصّعد جميعا، وتمهيد الطريق أمام إطلاق مسيرة عمل جمعيّ متضــافر ودؤوب تفضي إلى تغييره.

في تشخيص حال الثقافة العربية الرّاهن وتبيّن همومها وقراءة أسئلتها:

ليس ثمة من إمكانية فعلية للكلام على حال الثقافة العربية من دون البدء بتناول أحوال المجتمعات العربية (أو التّجمّعات الأهلية العربية على الأصحّ) فيما يسمّى بـ”الدّول العربية” (أو بـ”اللادول العربية” على الأصحّ) بالتشخيص المعمّق (لم يغادر كلاهما حال القصور والوصاية والحجر والتّبعية واستمراء وضعية الاستهلاك والنكوص عن الإنتاج وتغييب العقل وإرادة الفعل).

ليس ثمة من إمكانية فعلية للكلام على حال الثقافة العربية، غير السّار بأي حال، دون الكلام على المقصلة المنصوبة منذ زمن “الاستقلال” وإنشاء “الأحزاب” و”الدّول” لـ”إعدام الثقافة والمثقّفين” طوال ما يزيد على نصف قرن من الزّمان.


في أدوار المثقف العربي


لا ينبغي لدور المثقف أن يتركّز في إنتاج الفكر وطرح الرؤى والمشاريع الثقافية وغيرها، بل ينبغي لدوره أن يمتدّ ليصبح أدوارا عملية عديدة، ومهمات أساسية متفرّعة يؤديها، بفاعلية ودأب، على صعيد الممارسة اليومية الثقافية والاجتماعية والسياسية بغية بناء الإنسان العربي الجديد، وإنهاض الوعي وتحفيز النّاس على الانخراط الجادّ في مسيرة التّغيير الذّاهبة صوب آفاق جديدة تمكنهم من تحويل القبو المعتم الذي أرغموا على قضاء حياتهم فيه إلى قبّة منيرة.

تخطيط ساي سرحان

في سياق مواجهة تحديات شديدة الخطورة، ومع إيغال المجتمعات العربية في سراديب قبو معتمٍ بلا قرار، وبالرّغم من المحن المتوالية التي ألمّت بالمثقف العربي، فإنه لم يعد ممكنا أو مقبولا أن يقصر هذا المثقف دوره على الإنتاج الفكري أو الإبداعي، فلا بدّ له، تأسيسا على هذا الإنتاج، وعلى ما قد يسفر عنه من بلورة جوهرية لوعي مجتمعيّ جديد (وعي ممكن يفضي إلى واقع ممكن) ومن رؤى مستقبلية ومشاريع نهضوية، أن ينخرط، بملء قدراته وجهده، في تفعيل حراك مجتمعي شاملٍ يظلّ فاعلا فيه، ومحفّزا على استمراريته بما يفضي إلى إحداث التّغيّر المرجوّ، وإنهاض أزمنة النّهضة الحضارية الشاملة والتّقدّم المستمر.

قول الحقيقة: المثقّف الذي يقول نصف الحقيقية أو بعضها لا يكون إلا نصف مثقّف أو بعض مثقف، أي نصف إنسان أو بعض إنسان. وهل يمكن للمثقف الإنسان أن يكون نصفا أو بعضا فحسب، وهل ثمة في الوجود ما يمكن أن يدعى “نصف إنسان” أو “بعض إنسان”؟

بناء خطاب نقدي يستهدف رفض الوضع القائم في المجتمعات العربية على الصّعد جميعا، وفي مقدمتها الصّعد الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتمهيد الطريق المفضي إلى تغيير هذا الوضع.

تحليل المجتمع والتّصدي لمناقشة أحواله وقضاياه، واقتراح حلول ناجعة لها، عبر تكوين رؤية لما يجب أن يتجه صوبه هذا المجتمع على جميع الصّعد.

ثمّةَ دور أساسيّ (أو ربما أدوار) للمثقفين عموما، وضمنهم المثقف المفكّر والمثقّف المبدع، بوصفهم فئة أو قوّة اجتماعية كبرى تنتمي إلى العديد من الطبقات والشرائح والفئات الاجتماعية.

ثمة ضرورة لتوزيع الأدوار والمهمات ما بين المثقفين العرب المقيمين في بلاد العرب والمثقفين العرب المقيمين الآن في المهاجر (أوروبا وأميركا وغيرهما).

ملاحظة

ثمة نقاط أساسية أخرى تتصل بجوانب الموضوع، ومقترحات أوّلية تتعلّق بـ”الاستراتيجية الثقافية لمواجهة التّحديات والمخاطر الرّاهنة”، قد يتسع الوقت لعرضها للنقاش في نطاق النّدوة أو لاحقا على صفحات مجلّة “الجديد”.


ناقد من فلسطين مقيم في براتشسلافا- سلوفاكيا

11