قتامة مستقبلنا المتخيّل

الإنترنت المظلم أو العميق الذي يشكّل أكثر من تسعين بالمئة من عالم الإنترنت يشتمل على غرائب ونقائض، فقد يتمّ استخدامه لغايات إرهابيّة، لصوصيّة، مافيويّة.
الاثنين 2018/03/26
"مرآة سوداء" صور قاتمة مجسّدة بصيغ مختلفة

هل تحمل التكنولوجيا سعادة للإنسان؟ هل تساهم في تغيير الناس نحو هذه الوجهة أو تلك؟ أي دور مخفيّ تؤدّيه بالتراكم في خلق جيل يكاد ينقطع عن إرثه الثقافيّ ويعيش في عالم رقميّ ينذر بقتامة ما يترقّبه في مستقبل القريب المتخيّل بناء على معطيات الواقع؟ هل يمضي بنا العلم إلى عالم أشدّ بؤساً وقتامة أم أنّه يساعد على التخفيف من قسوة الزمن؟ هل يقتفي الأدب آثار العلم أم يسبقه متخيّلاً تأثيراته وتداعياته؟

بالبحث عن المخفيّ والمحتجب في العالمين الرقميّ والواقعيّ، يبدو الحديث عن التداخل الكبير بين الواقعين وخلق واقع هجين يستقي خصوصيّته ممّا يهندسه من تفاصيل ومفارقات، أقرب إلى نوع من الخيال الذي يحمل إنذارات متتالية، مع بشارات مفترضة، إذ يتداخل الخير والشرّ معاً بمختلف الصيغ والأشياء التي تصنع تفاصيل حياتنا الإنسانيّة، ومختلف الاختراعات التي يمكن أن تلعب أدواراً في تسهيل الحياة، أو تعقيدها وتضييعها في الوقت نفسه.

مع اختراع الإنترنت وانتشاره ظهرت عوالم جديدة على هامشه، غدا بذاته عالماً قائماً له فضاءاته، تأثيراته، ومفارقاته، مهّد بالقفزات المتسارعة التي أنتجها لتصوّرات عن واقع الإنسان ومستقبله، فرض نوعاً من التوجّه نحو العالم الرقميّ الذي يكتسح مختلف مناحي الحياة ويغيّرها.

تبدو البشريّة في سباق إلى المستقبل أشبه بسباق تسلّح لخوض معركة وجود، هل يمكن للأدب والفنّ أن يواكبا هذا السباق أو يسبقانه

الإنترنت المظلم أو العميق الذي يشكّل أكثر من تسعين بالمئة من عالم الإنترنت يشتمل على غرائب ونقائض، فقد يتمّ استخدامه لغايات إرهابيّة، لصوصيّة، مافيويّة، أو قد يستخدم لغايات مناهضة الدكتاتوريّة، وربّما يتلبّس بعض المقرصنين لبوس الأبطال المتصعلكين الزاعمين مناصرة الفقراء ومحاربة الأثرياء والرأسماليّين، فيكونون مجسّدين لشخصية روبن هود، لكن في عالم شبحيّ مظلم.

يبدو أنّ السينما والدراما سبّاقتان في مجال التقاط المتغيّرات المتسارعة التي ظهرت، وأفرزت صوراً من التلاعب الذي يتمّ في عالم الإنترنت العميق، أو إفرازات هذا العالم الرقميّ من التطبيقات والبرامج التي تصل إلى درجة من التلاعب بدماغ الإنسان نفسه، وقولبته وبرمجته ليغدو منتجاً من منتجات الاستهلاك الرقميّ والصناعة المفرزة بصيغة قاتمة.

كلّ فترة تظهر لعبة، أو برامج معيّنة، في عالم الإنترنت تتسبّب بمخاطر على مستخدميها، كحالة “لعبة الانتحار” التي انتشرت في روسيا في العام الماضي، وتسبّبت بدفع عدد من مستخدميها من المراهقين إلى الانتحار، حيث الإيحاء وكأنّ الانتحار لعبة افتراضيّة سينمائيّة يمكن النهوض بعد تطبيقها والعودة إلى اللعب مرّة أخرى.

مسلسل “مرآة سوداء” بدوره التقط صوراً قاتمة مجسّدة بصيغ مختلفة عبر عدّة حلقات تحاكي السواد الذي يترقّب بالبشر حين إغراقهم أنفسهم في اللعب بالحياة البشريّة، أو جعل البشر تجارب في تطبيقات وبرامج مؤذية مدمّرة ومشوّهة لإنسانيّة الإنسان، قارب الكراهية التي تنتشر على وسائل التواصل كوباء معدٍ، ولعبة ترفيهيّة، في حين أنّها في القاع مأساة حقيقة تظهر الوحشيّة الكامنة في النفوس إزاء الآخرين من غير أيّ تبرير.

تبدو البشريّة في سباق إلى المستقبل أشبه بسباق تسلّح لخوض معركة وجود، هل يمكن للأدب والفنّ أن يواكبا هذا السباق أو يسبقانه، وهل يمكن أن نتحدّث عن غالب ومغلوب في هذا المضمار..؟

15