قتلاهم في الجنة

السبت 2015/01/17

حتى اللحظة، تتواصل خطب التنديد والشجب بكل لغات العالم لإدانة الجريمة الإرهابية التي نفذها متشددون على مقر مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، مع أكثر من مليون ونصف المليون شخص شاركوا في مسيرات شجب في باريس ومدن فرنسية أخرى، إضافة إلى حضور أكثر من 45 زعيما ومسؤولا حكوميا من مختلف دول العالم بينهم زعماء عرب.

الضحايا من صحفيين ورسامي كاريكاتير، كانوا اعتادوا على تلقي تهديدات بالقتل على مدى تاريخهم الطويل في استفزاز للجميع على قدم المساواة، كما أن سخريتهم من جميع الأديان والتيارات السياسية توالت ساطعة على صفحات مجلة “شارلي” الأسبوعية التي اشتهرت على مدى عقود بجرأتها التي لم يسلم منها أحد.

لكن الأمر في مجمله كان يدور في فلك حرية التعبير، وهو حق مكفول للجميع مثلما هي حياة الإنسان حق مكفول لجميع بني البشر، على اختلاف مشاربهم واتجاهات تفكيرهم ولون بشرتهم وديانتهم.

وقع هؤلاء المبدعون ضحية سوء فهم الآخر، ووقع الآخر في وهم “شخصنة” الرسائل الكاريكاتيرية، ونصبوا أنفسهم قضاة وقتلة فحسمت النتيجة لصالح العنف. لكن حياة الضحايا – بالتأكيد- ستكون أطول بكثير من حياة قاتليهم، ولأنهم أسماء معروفة في عالم الصحافة، فإن ملامحهم ستحتفظ ببريقها إلى ما شاء الله.

قبل هذا وبعده، سحقت آلة الإرهاب، وما زالت، آلافا من المجهولين في عالمنا العربي، وطوحت ببقاياهم رياح الحروب والمجاعات والكراهية والكوارث السياسية، ولعل معادلة رياضية بسيطة يمكنها أن تعقد مقارنة بسيطة بين هذه الأعداد المهولة من البشر وضحايا مجلة “شارلي” الفرنسية؛ بواقع فرد واحد مقابل مئات الآلاف.

لكن القيمة المعنوية لا يمكن أن تدخل في معترك هذه المقارنات الحسابية الساذجة، فالفرد الفرنسي من وجهة نظر حكومته والعالم أيضا لا يعوض شأنه شأن المنتجات ذات العلامات التجارية الفاخرة والعطور الفرنسية التي لا يختفي أثرها بسهولة. أما آلاف القتلى من العرب فهم أشبه بسلع استهلاكية لا ثمن لها، يسهل تعويضها وتدويرها واستبدالها بأرخص الأثمان، وهذا أيضاً من وجهة نظر بعض الحكومات العربية والعالم.

لذلك، لم ولن يحرّك موتهم ضمير أحد كما لم يشعر بغيابهم مواطن واحد من بني جلدتهم يشاطرهم السكن في هذا العالم الموحش. وكانت حياة الناس في مختلف بقاع الأرض تسير على وتيرة واحدة لا يصيبها العطل، بعد انتهاء كل مجزرة يذهب ضحيتها المئات؛ فيذهب العمال إلى مصانعهم والطلبة إلى جامعاتهم وسيدات المجتمع إلى مراكز التجميل لإضافة مزيد من السنوات إلى أعمارهن السعيدة، والمتنفذون إلى يخوتهم السياحية، من دون أن يرف لهم جفن، فإذا صادفتهم مشاهد لبقايا بشر منكوبين على قارعة الصباح، مهملين في متن خبر في صحيفة أو صورة في تلفزيون، أداروا لها ظهورهم واستعاضوا عنها بفنجان من القهوة الفاخرة يطبقون عليه أجفانهم في غفوة لذيذة، تعينهم على استئناف صباحهم الجديد.

أن يموت إنسان مجهول من بني البشر لم تداعب ملامحه واجهات الصحف اليومية ولم تنعكس صورته البسيطة في مرآة مجتمعه؛ عامل بسيط، إمرأة فقيرة أو طفل بريء، فهذا لا يعني بأنه غير موجود وأن حقه في الحياة والعيش الكريم غير مكفول.

القاتل هو عينه لكن، قتلاهم في الجنة وقتلانا في النار.

21