قتلة لا نجدهم مطلقا في قفص الاتهام

الأنثروبولوجيا تقدم صورة جديدة لأخطر المجرمين.
الأحد 2021/01/17
منفذو أوامر القتل لهم ملامح مختلفة (لوحة للفنان سيروان باران)

أول ما يتبادر إلى الذهن، عند ذكر الجلاد، صورة رجل غليظ القلب لا يعرف الرحمة، ولا توحي ملامحه بغير القسوة، فهو في المخيال الجمعي ضخم الجثّة، قويّ البنية، تنضح نظراته بشهوة الدم، وتزفر رائحته السّمّ الزعاف. ولكنها في الواقع صورة مضللة، فالجلاد قد يكون رجلا عاديّا وربَّ أسرة، يروح ويغدو إلى عمله كسائر خلق الله، وله مثلهم طموحاتٌ دنيوية بسيطة.

تذكر كتب التاريخ الحديث أنّ ستالين أباد خمسين مليون نسمة، وماو تسي تونغ ستّة وثلاثين مليونا، وهتلر نحو عشرين مليونا، بينما اكتفى ليوبولد الثاني بعشرة ملايين، حتى لَيبدو بولْ بوتْ وبينوشي وبوكاسّا ومنغستو هيلا مريام أمامهم مجرّد هواة.

تلك الأعداد المهولة لم تقض نحبها بأيدي القادة المذكورين مباشرة، فهم يُصدرون أوامر القتل والإبادة، ولكن التنفيذ يبقى موكولا للقوات النظامية والجلادين.

وإذا كان الجنود يخوضون حروبا ضدّ جيوش أخرى لا يعرفون في الغالب هويّة مقاتليها ولا يرون ملامحهم، فإن الجلادين يباشرون عملهم عن قرب، ويعرفون حقّ المعرفة هويّة من هم بصدد تعذيبهم وتصفيتهم. فكيف يقبلون بأن يكونوا منفذي عمليات قتل جماعية، وسفّاحين يذبحون بشرا مثلهم وكأنهم في مسلخ؟ وما الذي يميز الحياة العادية لرجل مهمته الأساسية واليومية موجهة بتمامها وكمالها نحو قتل البشر على نطاق واسع؟ هل يمكن أن يحافظ رجل كهذا على صفته الإنسانية؟

أدوات لتسليط الموت

ريشار ريشتمان توسّل بالأنثروبولوجيا العامّة للإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية لجرائم الإبادة وتحديد ملامح واضحة لصورة الجلاد
ريشار ريشتمان توسّل بالأنثروبولوجيا العامّة للإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية لجرائم الإبادة وتحديد ملامح واضحة لصورة الجلاد

في كتاب “الحياة العادية لمقترفي الإبادة الجماعية”، يعالج عالم الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي ريشار ريشتمان هذه المسألة من زاوية “الثاناتوس السياسي”، ويرى أن الحياة العادية للجلاد هي تسليط الموت، وأن الذين يرضون عن تنفيذ ذلك العنف الشنيع هم بشر، ينظرون إلى أنفسهم كذلك، فلا هم منحرفون ولا وحوش، وإنما هم أناس عاديون تحدوهم إرادة أداء الواجب الذي انتخبوا لأجله على أحسن وجه.

من خلال دراسة أنماط الحياة الأكثر عادية للرجال والنساء الذين قبلوا بتقديم خدماتهم للأنظمة الأشدّ بطشا في التاريخ الحديث، توسّل ريشتمان بالأنثروبولوجيا العامّة للإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية التي كان لها دور في الموافقات الفردية لتسليط الموت على الغير. ذلك أن معرفة الأسباب التي تجعل ممارسة العنف ممكنة، سؤالٌ لا يزال يُطرح باستمرار خاصة إذا ما سُلّط ذلك العنف بشكل شامل واتّخذ صبغة الإبادة الجماعيّة.

استفاد المؤلف من كمّ هائل من الوثائق، من أرشيف المحاكمات الدولية إلى الروايات والسير الذاتية، مثلما استفاد من ممارسته الكلينيكية وكشفه على عدد من اللاجئين الذين نجوا من الموت، وحتى من جلادين سابقين، وأغلبهم من مواطن النزاع في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

 وأوضح المؤلف أن هدفه من تحليل نيّة الإبادة هو الوقوف على الآثار التي تتضمنها السرود والسلوك والأعراض وحتى لزوم الضحايا والجلادين الصمت في عيادته. من خلال تلك الآثار أمكنه التعرف على ما أسماه “الاقتصاد اليومي لإدارة الإبادة”، والكشف عن نسيج حكاية جماعية عابرة للحدود، فتسليط الموت يكتسي من حيث بنيته الطابع نفسه في أكثر من مكان، برغم تباين الثقافات واختلاف الفضاءات الجغرافية، إذ إن نزعة “الثاناتوس السياسي” حيثما تبدّت، تعتمد المشاركة الفعلية للمنفّذين الذين نذروا حياتهم اليومية لإزهاق الأرواح والتصرف في الأجساد، منذ اختيار الأصناف البشرية “الواجب إبادتها” إلى معالجة الجثث التي ينبغي التخلص منها.

فمن هم أولئك المنفّذون؟ وما هي ملامحهم وخصائصهم؟ ولماذا يقبلون ذلك القتل الجماعي؟

صورة الجلاد

لقد شغلت تلك الأسئلة حقولا معرفية كثيرة، كالفلسفة والتاريخ والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ورغم اختلاف الأجوبة باختلاف التخصصات، برزت ثلاثة تأويلات: أولها يضفي على الجلاد ملامح شخص ساديّ متعطش لسفك الدّماء فإذا هو أشبه بوحش آدميّ. وثانيها يرى فيما يقترفه الجلاد أعراض انحطاط حضاريّ. وثالثها يشبّهه بإنسان عاديّ أدركه نظام أخلاقي جديد جوهرُه قاتل.

ولئن كانت صورة الجلاد الذي فقد كلّ حسّ إنسانيّ تبهر بقدر ما تثير الاشمئزاز، لأن منهم من جعل العنف مشروع حياة، فإنها لا تعكس الحقيقة كلها. صحيح أن بعض مظاهر القسوة لا يخلو من عقلانية ومنهجية، ويكتسي أحيانا طابع الطقوس والعادات، حتى أنه يبدو لدى الجلادين إطارا لهياج الغرائز، وهو ما سبق أن بيّنه عالم الاجتماع الألماني فولفغانغ سوفسكي حين لاحظ أن بعض السّفاحين يجدون لذّة في القتل لإحساسهم بأنهم “أسياد الموت”.

اللامبالاة هي العنصر الطاغي في سلوك المنفذين
اللامبالاة هي العنصر الطاغي في سلوك المنفذين

غير أن ذلك قد ينطبق على القتلة، الذين لم تبلغ جرائمهم على مرّ التاريخ مقدار ما بلغته الإبادات الجماعية في النصف الأول من القرن العشرين، ولا ينطبق تماما على مرتكب الإبادة، وقد كشفت دراسةُ الظروف الاجتماعية التي وقعت فيها يوميّا جرائم قتل جماعي أن تصوُّرنا للجلادين يخضع لمخيال تغذيه أعمال أدبية أكثر مما يتجلى في الاشتغال المحسوس لإدارة الإبادة. أي أنّ لمرتكب الإبادة الجماعية دوافع أخرى، وشخصية مغايرة.

لذلك عمد ريشتمان إلى تفكيك تلك الصورة بالعودة إلى نظرية فرويد عن الغرائز، واستحضار الثقافة أيضا، فالرأي القائل إن لدى الإنسان “مخزونا نفسانيّا كامنا بالقوة” قد يغذّي الشراهة للحرب مجانب للصواب في جانب كبير منه، فلا يمكن أن نعزو كل الأعمال العنيفة زمن الحرب إلى غريزة العدوان وحدها، بل لا بدّ من النظر في تشعب النزعات ومعرفة ما إذا كان القانون والعنف متصلين، وفي أي اتجاه يعمل ترابطهما.

 وما الرسالة التي وجهها فرويد عام 1932 إلى ألبرت أينشتاين حول الوسائل الواجب وضعها لمقاومة “النهم السياسي للقوة” و”الحاجة إلى الحقد والتدمير” اللذين استبدا بالبشر، إلا دليل على أن ثنائية نزعات الإنسان لا تنحصر في مبدأي الخير والشر، فقد تساهم في الحرب والدّمار وقد تقدّم أعمالا جليلة، وفي رأي فرويد أن نزعات الإيروس هي التي يمكن أن تضع نفسها في خدمة أعمال فظيعة، وأن “الأنا الأعلى” قد يكون انزياحا لغريزة عدوانية موجهة إلى الداخل، فهو يعمل على تعديل النزعات ولكنه يمكن أيضا أن يأخذ شكلا قاتلا ومدمّرا. ما يعني أن تأويل جرائم الإبادة الجماعية كعرض من أعراض العودة إلى الهمجية لا يمكن الأخذ به.

صحيح أن الثقافة يمكن أن تحدّ أو تعدّل نزعات التدمير وتساهم في تطوير “إيتوس” (الطبع المشترك بين جماعة تنتسب إلى مجتمع بعينه) مسالم، ولكن التحولات النفسانية التي يفضي إليها ذلك التطور ليست مضمونة.

وإذا كان لا بدّ من توجيه إصبع الاتهام إلى الحضارة، كما فعل عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس، وكان قد عزا جرائم النازية إلى انهيار حضاري، فإنه لا يمكن أن يتمّ من زاوية تلطيف الطبائع والعادات فقط، لأن ذلك معناه وضع الحضارة تحت راية الإيروس وتجاهل قدرة الأنا الأعلى على النزوع إلى العنف الأشدّ ضراوة، ما يجعل إدارة الإبادة قائمة على تنظيم محكم يتطلب رباطة جأش في كل الأوقات.

 والأمثلة التي يسوقها ريشتمان تبين كيف أن الرجال والنساء الذين ينفّذون الإبادة لا يخضعون لنزعاتهم، وأنهم واعون تمام الوعي بما يفعلون، وأن اهتمامهم اليومي لا يخص الضحايا، الذين لا يصنَّفون كذلك، بل يتوجّه أساسا إلى تطوير المعدّات اللوجيستية التي تنظم عملية الإبادة.

العنف الجهادي

الإبادة جريمة بشعة (لوحة للفنان عمران يونس)
الإبادة جريمة بشعة (لوحة للفنان عمران يونس)

ينفي ريشتمان أن يكون القائمون بتلك المهمة القذرة أناسا عاديين دفعتهم ظروف خاصة إلى ارتكاب تلك الجرائم، ويساير جزئيا ما ذهب إليه كريستوف برونينغ وحنّا أرندت حول قوة تأثير الأنظمة الشمولية على الأفراد، وإقناعهم بشرعية إبادة جماعات بشرية، ولكنه لا يوافقهما في اعتبار القاتل مجرّد منفذ لأوامر عليا، لأن نظرية اللاراهنية لا تفسر الظروف الاجتماعية والفردية التي تجعل فئة من البشر لا تبالي بموت الآخرين.

وفي رأيه أن السؤال الذي تطرحه تلك الجرائم الجماعية هو ما مسؤولية المنفذين، وقبولهم أن يكونوا عمَلة بسطاء لإزهاق الأرواح؟ والغريب أن من النادر أن نجد هؤلاء القتلة في قفص الاتهام، المخصص في العادة لأصحاب الأوامر، كما هو الشأن في المثالين الكمبودي والإندونيسي، والحال أنهم الأداة الأساسية في “الثاناتوس السياسي” الذي وضعته الأنظمة المُبيدة.

وريشتمان لا يهتم بصفاتهم وأوضاعهم ودوافعهم بقدر ما يهتم بنمط الحياة الذي وضعهم فيه قبولهم اللامشروط، للإمساك بطبيعة الحياة التي يحيونها وقد غدت رتابتها متصلة بالموت، إلى جانب عالمهم اللغوي، وعلاقتهم بجيرانهم، ليلج ما أسمته عالمة التحليل النفسي نتالي زالتمان “الواقع الجديد”، وهو واقع نفساني اجتماعي يتميز فيه صاحبه بتمنّعه عن أي فكر نقدي. فالذين يديرون الموت يؤدون مهمتهم بوعي تام وحرفية عالية، ويظهرون استعدادهم وعنايتهم بالتفاصيل، ويواظبون على تنفيذ ما يُطلب منهم دون نقاش، أي أنهم يروحون ويجيئون كسائر العمال والموظفين، ويعيشون مع أسرهم وأبنائهم حياة عادية.

والخلاصة التي ينتهي إليها ريشتمان هي أن تدمير الإنسان يمكن أن يمارس في ظروف سياسية واجتماعية تؤطره وتسنده، دون شغف أو شخصنة، ودون حماس أو كره أيضا، إذ إن اللامبالاة هي العنصر الطاغي في سلوك المنفذين.

 والمؤلف يربط تلك الممارسات بأشكال العنف الجهادي، الذي غالبا ما يُحسَب على الراديكالية، والحال أن ممارسات المنفذين، في رأيه، قريبة من جرائم الإبادة، بصرف النظر عن الأيديولوجيا التي ترتكز عليها. فالجهاديون يقبلون هم أيضا بتنفيذ أوامر عليا، دون نقاش، ودون مبالاة بالأرواح التي يزهقونها، ما يعني أن الأساليب هي نفسها في كل عمليات التصفية.

وإذ يلفت الانتباه إلى تلك الأبعاد، فإنه ينتقد الشكوك التي تحوم حول أبناء المسلمين المقيمين في المهجر، ومخاوف الحكومات الغربية من انخراطهم في العنف الإرهابي، ويدعو الدول الغربية والمجموعة الدولية إلى مساعدة المسلمين، رجالا ونساء، لأنهم يدفعون ثمنا باهظا عن صمودهم أمام العنف الجهادي ورفضهم الانخراط في “نمط حياة يقوم على إبادة الآخر، ولو كان مسلما”، حتى لا يحكم عليهم بالهجرة والتغرّب هربا من المتشددين.

10