قتل الأبرياء في السينما وفي الواقع

الأربعاء 2015/04/01

تتدفق عبر شاشات التلفزيون أفلام العنف والأكشن والجريمة والانتقام بين العصابات المتنافسة والمتصارعة على مصالحها وتأكيد نفوذها، ونشاهد خلال المطاردات والمواجهات بين المتصارعين سقوط الكثير من الأبرياء الذين جعلهم سوء حظهم يوجدون في ميادين المواجهات أو شوارع المطاردات.

وعادة ما تترك جثث الأبرياء مرمية في أماكن سقوطها، ولا تثير اهتمام المتصارعين، ولا تدفعهم إلى التريث لتجنب إصابة الأبرياء، وكثيرا ما يجري استهداف العديد من الأبرياء لمجرد الشك بأنهم قد يكونون من الفريق الآخر، ولا ينتاب القاتل أي نوع من الندم عندما يكتشف أن القتيل بريء وليس ممن يقصدهم!

إن ما يحدث في أفلام السينما، هو بالتأكيد مختلق ومن صنع الخيال، يعني أنه افتراضي، تم تصنيعه بتقنيات وخدع سينمائية مبهرة ومثيرة، ولكن جرائم القتل في الواقع أكثر بشاعة ودموية، فمنذ سنوات ونحن نراقب على شاشات التلفزيون قتل الأبرياء في الشوارع بأكثر من مدينة عربية، بل إن جرائم المفخخات والتفجيرات والأحزمة المشحونة بالموت، كثيرا ما تستهدف الأبرياء عن قصد وترصد، فتنفجر في المدارس والمقاهي والمطاعم ودور العبادة والأسواق وفي الأفراح والتجمعات البشرية العفوية.

وتؤكد الجماعة الإسلامية المصرية في كتابها “الإسلام وتهذيب الحروب”: إن أصحاب المتفجرات العشوائية يضعون قنابلهم ومتفجراتهم غالبا في أماكن يزدحم بها الأبرياء، فيجعل وقوع ضحايا بينهم أمرا راجحا، إن استهداف البريء مرفوض في كل الأعراف والأديان، بل إن الدين الإسلامي يرفض استهداف عدو يجوز قتله شرعا، إذا اختلط به من لا يصح قتله.

يعني إن قصدت أن تستهدف عدوا لك واستهدافك له قد يصيب إنسانا بريئا ويؤذيه، فهذا مرفوض أخلاقيا وشرعا، حسب ما ورد في كتاب “الإسلام وتهذيب الحروب”.

وقد وجدت هذا المبدأ الأخلاقي مجسدا سينمائيا في فيلم فرنسي شاهدته قبل أكثر من ثلاثين سنة في إحدى دور العرض بدمشق، للمخرج أندريه كايات بعنوان “السيف والميزان” الذي يجسد مفهوما نبيلا للعدالة .

والمخرج كايات (1909 /1989) الذي كان محاميا أيضا اهتم في أفلامه بقضايا الجريمة والعدالة والقانون والمسؤولية الاجتماعية، فحقق عددا من الأفلام تركز موضوعاتها على قضايا العدالة وحماية البريء. ومنها: “للمرآة وجهان”، “سقوط العدالة”، “كلنا مجرمون” و”السيف والميزان”.

تحضرني تفاصيل فيلم “السيف والميزان” كلما أرعبتني أحداث العنف الدموي الذي يستهدف الأبرياء يوميا في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومدن عربية أخرى، ابتليت بجماعات مسلحة تتحرك تحت مضلات إسلامية منتحلة تفرض مفاهيمها بعنف دموي كاسح، أو تحت سقوف أصناف من مقاومات وميليشيات هائجة ضد غيرها بلا رحمة.

وملخص أحداث الفيلم أن شخصين غريبين يخطفان صبيا في بلدة صغيرة ويقتلانه ويهربان، فتبحث عنهما الشرطة وتراهما من بعيد يركبان زورقا ويعبران إلى جزيرة صغيرة قريبة، ويدخلان في برج الفنار -الشرطة يحاصرون الفنار- وكذلك الأهالي الغاضبون يتجمهرون وهم يهددون ويعربدون، وقد قرروا إنزال القصاص بالمجرمين، لكن تأتي المفاجأة بخروج ثلاثة رجال من الفنار لا رجلين.

إذن أحد هؤلاء الثلاثة بريء حتما، فمن هو؟ وفي التحقيق والمواجهة يصعب على المحققين معرفة البريء من الثلاثة، فكل منهم كان بارعا في الدفاع عن نفسه بحجج مقنعة، مبرهنا أنه بريء ولا علاقة له بالجريمة المرتكبة!

وببراعة حرفية وقانونية عالية يقنعنا المخرج كايات أن أهل البلدة لن يستطيعوا معرفة الحقيقة. فما العمل؟ إنهم أمام رجل بريء ورجلين مجرمين. وهنالك احتمال أن يخطأوا ويعاقبوا البريء ويفلت المجرم، وعندما لم يتمكنوا من تحديد من هو البريء، يمتنعون عن إصدار قرار حاسم كي لا يظلموا بريئا.

وهذا الموقف ينسجم حتما مع مبدأ رفض استهداف البريء الذي تقره كل الأعراف والأديان، وفي مقدمتها الدين الإسلامي الذي يرفض استهداف عدو يجوز قتله شرعا، إذا اختلط به من لا يصح قتله وقد يصاب عند استهداف العدو المقصود، خاصة التفجيرات التي تصيب الأبرياء ممن قد يكونون موجودين في لحظة الانفجار الذي استهدف أصلا من يراد قتله.

إن قتل الأبرياء في الواقع أكثر بشاعة من قتلهم في السينما، حيث يجري قتل الأبرياء في السينما صدفة وعن غير قصد، بينما في الأعمال الإرهابية فإن التفجيرات تحدث في أماكن ليس فيها غير الأبرياء، كما أن القتلة كثيرا ما يقومون بتفجير ثان بعد دقائق في نفس المكان، مستهدفين الأبرياء الذين أسرعوا لمساعدة الأبرياء الذين أصيبوا في التفجير الأول.

16