قتل الأحياء والانتقام من الأموات

القتل، والنهب، والتحريض على الشر والعنف، وخرق القوانين، والعبث بالممتلكات الخاصة والعامة… كل هذا أصبح يدبر بليل في بلاد الملكة عليسة، وحنبعل، والطاهر الحداد، والبشير خريف…
الثلاثاء 2019/04/02
الشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد من ضحايا الفتاوى الكاذبة

في هذه البلاد التي أصبح أهلها ينعتونها بـ“المنكوبة” منذ أن غزاها جراد الأيديولوجيات البائسة، وتجار “جنة الخلود”، أصبح كل شيء  يُدَبّرُ بليل…

القتل، والنهب، والتحريض على الشر والعنف، وخرق القوانين، والعبث بالممتلكات الخاصة والعامة، والنيل من هيْبة الدولة ومؤسساتها، وتخريب الاقتصاد، وتزوير التاريخ، والعبث باللغة وأصولها، وإهدار أبسط القيم الإنسانية، وحبك المؤامرات الدنيئة لترويع الناس، والغدر بالجار وبالصديق الوفي، وخيانة الوطن… كل هذا أصبح يدبر بليل في بلاد الملكة عليسة، وحنبعل، وأبوليوس صاحب رائعة “الجحش الذهبي”، وابن خلدون، والشابي، والطاهر الحداد، والبشير خريف…

والاعتداء على قبر الشاعر أولاد أحمد الذي تزامن مع الذكرى الثالثة لوفاته، وهدمه، والعبث به بطريقة مُخزية ومشينة، دُبّرَ بليل هو أيضا… وكانت ليلة من تلك الليالي التي تشتد فيها العواصف، وتتهاطل الأمطار فيلوذ الناس ببيوتهم، فلا يخرج منها إلاّ من تعود على اقتراف الجرائم الشنيعة وهو مطمئن، وهانئ البال، ومتيقن من أنه لا أحد يمكنه أن يضبطه متلبسا بجريمته في مقبرة تجوس فيها أرواح الأموات…

وكان ردّ السلطات على “تدنيس” قبر من كان يصرخ عاليا بأنه “يحب البلاد كما لم يحبها أحد”، مثيرا للاشمئزاز والتقزز والضحك المر. فقد أعلنت هذه السلطات من دون أدنى ذرة حياء، أن الأمر يتعلق بتمهيد لترميم العديد من القبور، بينها قبر أولاد أحمد. ولو كان الأمر على هذه الصورة حقا، لبادرت هذه السلطات بإعلام عائلته، أو لكانت أصدرت بلاغا رسميا في هذا الشأن. وبما أنها لم تفعل ذلك، وبما أنه لم تكن هناك قبور أخرى نالها الهدم والتخريب مثلما هو حال قبر الشاعر الراحل، فإن ما يجوز لنا قوله هو أن الأمر دبر بليل، وأن مقترفي هذه الجريمة النكراء هم من أعداء الشعر والحياة، ومن أولئك الذين كانوا قد أحرقوا خلال السنوات الماضية العديد من أضرحة الصلحاء والصالحات باعتبارها “بدعة”. وأهل “البدعة” من أهل النار كما هم يقولون في مواعظهم، وفي فتاويهم الصفراء…

وعلى أية حال، وكما أشرت إلى هذا الأمر في أكثر من مرة، فإن قتل الأحياء، والانتقام من الأموات في هذه البلاد التي يبدو أنها فقدت مرة أخرى “الحس والمعنى” بحسب العبارة الشهيرة للمؤرخ الجليل أحمد بن أبي الضياف، ليسا جديديْن. ففي عام 2011، رفضت حكومة الترويكا التي كانت تتزعمها حركة النهضة آنذاك إقامة احتفالية بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد الكاتب الكبير محمود المسعدي الذي توفي عام 2005 باعتباره “ملحدا”. كما دعا وزير التعليم في نفس السنة المذكورة، وهو أحد قادة حركة النهضة البارزين، إلى ضرورة “تطهير” البرامج المدرسية والجامعية من أيّ إشارة إلى  صانعي مجد الثقافة التونسية في الثلاثينات من القرن الماضي، أمثال علي الدوعاجي ومحمد العريبي، لأنهم “فسّاق وكحوليون”.

وخلال مسيرته، عانى أولاد أحمد من الظلم ومن الاضطهاد، لا من جانب النظام فقط، بل من جانب المتحكمين في المؤسسات الثقافية من أهل الثقافة. وبسبب لسانه وقلمه، حُرم من الجوائز، وعاش منبوذا ومهمشا. وعندما أصابه المرض الذي قتله، بدأت الأحزاب الجديدة التي ظهرت بعد سقوط نظام بن علي تسعى إلى كسب وده. حتى النهضة التي عاداها وعادته، والتي طالب قادتها جهارا بضرورة “تأديبه لكي يعود إلى الطريق المستقيم”، بذلت كل ما في وسعها لكسب رضاه في الساعات الأخيرة من حياته.

لكن يبدو أن أعداءه من كارهي شعره المتوهج بحب البلاد وحب الحياة لم يغفروا له كلماته الحرة والنارية ضدهم، وضد أحقادهم وضغائنهم وفتاويهم الكاذبة. لذا خرجوا في عاصفة تلك الليلة الظلماء لينتقموا منه ميّتا بعد أن نَكّلوا به حيّا…

14