قتل الإخوة والأبناء في ديوان إسطنبول

الأحد 2013/11/10
إسطنبول -من الارشيف الاستشراقي للقرن التاسع عشر

باريس- صدرت أخيراً عن دار "بايو" في باريس الترجمة الفرنسية (نقلاً عن الإيطالية) لكتاب بعنوان "ديوان إسطنبول، موجز عن تاريخ الإمبراطورية العثمانية" للمؤرخ والروائي الإيطالي أليسندرو باربيرو.

يروي الكتاب بأسلوب شيّق وبسيط تاريخ الدولة العثمانية التي استمرت حوالي ستة قرون وامتدت على رقعة جغرافية واسعة تغطّي ثلاث قارات، من الشرق الأوسط إلى دول البلقان وشمال إفريقيا، كما أنها جعلت من عاصمتها إسطنبول عاصمة عالمية من الطراز الأول تتعايش فيها مختلف الأديان والطوائف والقوميات.

بدايةً، يروي المؤرخ أليسندرو باربيرو صعود العثمانيين الأتراك منذ مطلع القرن الرابع عشر بعد أن تمكنوا من تأسيس دولة لهم على أنقاض دولة سلاجقة الأناضول.

ولا بد من التذكير بأنّ ظهور الأتراك السلاجقة في الشرق الإسلامي في القرن الثاني عشر كان من الأحداث الهامة لأنه أدى إلى تغييرات سياسية عميقة تمثلت في أمور عديدة منها اعتناقهم المذهب السني وانتصارهم على البيزنطيين في معركة مانزكرت عام 1071 مما سمح لقبائل السلاجقة بالاستقرار في آسيا الصغرى.وعلى أنقاض الدولة السلجوقية في بلاد الأناضول، نشأت فيما بعد إمارات تركية انبثقت منها الدولة العثمانية.

اعتمد العثمانيون على التوسع العسكري في أوروبا مستفيدين من الصراعات الداخلية التي مزقت الدولة البيزنطية. وعلى الرغم من أنّ جيش تيمور لنك ألحق بهم عام 1402 هزيمة قوية، إلا أنهم تمكنوا من إعادة توحيد دولتهم وتوسيعها شرقاً وغرباً مما مهّد الطريق للانتصارات التي حققها لاحقاً السلطان محمد الثاني المعروف بالفاتح، في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، والتي تجسدت بالأخص بالاستيلاء على القسطنطينية عام 1453 والقضاء نهائياً على بقايا الدولة البيزنطية.

في وصفه للسلاطين العثمانيين، يتوقف المؤرخ عند أشهرهم مبيّنا تناقضاتهم واعتمادهم على نظام خاص لتنظيم السلطة يختلف تماماً عن الأنظمة السياسية التي كانت معتمدة في الدول الأوروبية في الحقبة ذاتها.

السلاطين العثمانيين اعتمدوا على نظام خاص لتنظيم السلطة

وهنا لا بدّ من التذكير بأنّ السلاطين العثمانيين عاصروا كبار باباوات روما والملوك الأوروبيين في عصر النهضة الإيطالية، ولقد فرضوا هيبة دولتهم بفضل تمددهم العسكري وانتصاراتهم من جهة، وتمكنهم، من جهة أخرى، من تحقيق التعايش بين مختلف أبناء إمبراطوريتهم. فالمسيحيون واليهود شكلوا دائماً نسبة هامة من السكان، كما شكلوا عنصراً أساسياً من مقومات الدولة.

وكان لهم دور أساسي في ازدهار الحياة الاقتصادية والثقافية بعيداً عن أجواء الحروب الدينية والصراعات الحادة بين الكاثوليك والبروتستانت التي هيمنت في أوروبا في المرحلة ذاتها.

يتوقف المؤرخ باربيرو أيضاً عند تطبيق السلاطين العثمانيين لنظام قتل الأخوة والأبناء لتأمين انتقال السلطة بشكل سلمي وحتى لا تحدث حروب أهلية وصراعات بين أفراد الأسرة الواحدة تهدد كيان الدولة ووحدتها.

ويورد العديد من الأمثلة ومنها قيام السلطان سليم الأول بقتل أخويه الأميرين كوركود وأحمد، وقيام السلطان سليمان القانوني بقتل ابنه المفضل والوريث الشرعي له الأمير مصطفى. لكن هؤلاء السلاطين كانوا أيضاً مثقفين ومنفتحين على العالم في زمنهم، وكانوا شعراء وخطاطين. كما أولوا رعاية كبيرة للفنون التي عرفت ازدهاراً مدهشاً في العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية.

وفي عصر السلطان سليمان القانوني الذي امتدّ حوالي نصف قرن، عاش المعماري سنان المتحدر من أسرة مسيحية، وصمّم صروحاً تعدّ اليوم من روائع العمارة الإسلامية والعالمية ومنها جامع سليمان في إسطنبول وجامع السلطان سليم الثاني في أدرنة.

لكن هؤلاء السلاطين لم يتمكنوا من مواكبة التطورات الكبيرة التي عرفتها أوروبا على صعيد الاكتشافات العلمية والتقنية، وبدأ التراجع منذ نهاية القرن السادس عشر.

لقد أحدث اكتشاف أوروبا لتقنية الطباعة ثورة كبيرة في المجتمعات الأوروبية بينما لم تدرك الدولة العثمانية أهمية هذا الاختراع حتى أن قانوناً صدر عام 1515 يعاقب بالموت كل من يستعمل مطبعة. وبموازاة هذا التأخر التقني هيمنت أجواء الرشوة والفساد على القضاة وأجهزة الشرطة ورجال الدين..

كما أنّ صعود القوميات وتدخّل القوى الأوروبية المباشر في الشؤون الداخلية كانا من العوامل التي أدت إلى نشوء حروب مروّعة ومنها حرب استقلال اليونان عام 1820 والتي كرست في ذهن الأوروبيين صورة التركي المتوحّش الذي يحارب الأبطال اليونانيين ورثة حضارة أثينا العريقة.

باختصار، يبين كتاب "ديوان إسطنبول" أنّ جميع الإصلاحات التي قام بها السلاطين لم تنجح في الحفاظ على وحدة الدولة ونسيجها الاجتماعي فصارت "رجل أوروبا المريض" وخسرت المزيد من أراضيها بعد أن أنهكتها الحروب التي خاضتها ضد روسيا وإيران الصفوية والنمسا.

وعلى أنقاضها نشأت الدول التي نعرفها اليوم بعد الحرب العالمية الأولى ومنها تركيا الحديثة والعلمانية التي أرادت أن تحدث قطيعة مع ماضيها الإسلامي والقوميات الأخرى التي تعايشت معها قروناً طويلة. والكتاب لا يريد أن يدخل في سجالات تتعلق بالحاضر وبمستقبل تركيا، ذلك أنه يتمحور فقط، وبحسب مؤلّفه، حول الماضي وحول الحضور العثماني في القارة الأوروبية.

15