قتل السينما

الأربعاء 2017/04/26

كتبت في الماضي القريب، بل وفي الماضي البعيد أيضا، وقلت إن النظرة الرسمية إلى السينما لا تعتبرها جزءا من الثقافة العربية، بل تنظر إليها بنوع من الحذر والتشكك وأحيانا النفور، فالفيلم هو الفن الأكثر ديمقراطية بين الفنون، وقد جعلت وسائل الاتصال الحديثة الفيلم السينمائي متاحا بسهولة أمام الملايين في العالم، بعد أن أصبح من السهل اقتناؤه وصنعه وتبادله بأيسر السبل وأقلها تكلفة.

ما زالت السينما في مصر مثلا تعاني من سطوة الآلة البيروقراطية للدولة، فهي تتلقى الضربات أكثر من غيرها من الفنون والثقافات، فتارة يجعلونها مثل الملاهي، أي الكباريهات ونوادي التسلية الليلية، ويفرضون عليها الضرائب الباهظة، وتارة أخرى يفرضون على السينمائي ضرورة الحصول على تصريح مسبق من جهاز الرقابة على السيناريو، أي عندما يكون الفيلم في مرحلة “الفكر” و”التفكير”، ثم رقابة ثانية على التصوير لكي يتأكد السيد الرقيب من أن المخرج يلتزم بالسيناريو الذي حصل على الموافقة عليه بعد استبعاد ما أمكن استبعاده،. ثم تأتي مرحلة الرقابة على الفيلم نفسه بعد اكتماله للتصريح بعرضه، وربما تعترض الرقابة هنا وتطالب باستبعاد ما تراه من مشاهد ولقطات قد لا يفهمها السادة الرقباء، وهم مجموعة موظفين لا علاقة لهم أصلا بالعملية الإبداعية.

ومن أعراض "فوبيا السينما" التي تعاني منها السلطات بدرجة خطيرة، قيام ما يسمى وزارة الثقافة بإلغاء جميع النشاطات السينمائية خلال شهر رمضان، كما تقوم الصحف بوقف النشر عن السينما والنشاط السينمائي، كما لو كانت السينما من المحرمات أو من “الأشياء” التي تتنافى مع تعاليم الشهر الكريم.

وكان من المثير للسخرية أيضا أن تقرر وزارة الثقافة المصرية مؤخرا وقف النشاط السينمائي داخل مؤسسات الوزارة بعد التفجيرات التي وقعت داخل كنيستين للأقباط في مصر وما لحق ذلك من إعلان حالة الحداد العام في البلاد. لكن الوزارة أبقت صراحة على “باقي النشاط الثقافي” وهو ما يعني أنها لا تعتبر السينما من الأنشطة الثقافية، بل تعتبرها مثل “الكباريه”، أي نوعا من العروض المثيرة التي تتنافى مع حالة الحداد.

ولست أدري ما العلاقة بين الحداد العام وبين النشاط الفني والإبداعي، ولماذا لا توقف الحكومة مثلا برامج الثرثرة الليلية التي تستأثر بوقت المشاهدين كل ليلة في موضوعات تافهة الشأن، منها ما يتجه أحيانا إلى التحريض المباشر على قتل الآخر المختلف عبر شخصيات تنتمي إلى القرون الوسطى، تلتحف برداء الدين وتظهر على الشاشات وهي تمارس إرهاب الآخرين!

ومن أحدث المواقف التي أصبحت سابقة خطيرة غير مسبوقة في العالم كله على حد علمي ومن متابعتي للشأن السينمائي عبر سنوات طويلة، ما وقع أخيرا في مهرجان الإسماعيلية السينمائي المتخصص في عرض الأفلام التسجيلية والقصيرة.

فبعد استعدادات امتدت شهورا داخل المركز القومي للسينما التابع لوزارة الثقافة التابعة بدورها للحكومة المركزية، ثم افتتاح المهرجان من جانب السيد اللواء محافظ الإسماعيلية، وفي اليوم التالي فوجئ ضيوف المهرجان من السينمائيين الذين قدموا من بلادهم للمشاركة بأفلامهم متصورين أنهم ذاهبون إلى دولة يفترض أنها بلغت سن الرشد السينمائي منذ سنوات بعيدة، بقرار من السيد اللواء المحافظ نفسه بإلغاء جزئي للمهرجان، أي تقصير مدة انعقاده وتقديم موعد ختامه يومين على موعده المقرر سلفا.

والسبب أن هناك داخل دهاليز السلطة من اكتشف فجأة أن يوم الختام المحدد له 25 أبريل يوافق انعقاد لقاء يقام شهريا بين رئيس الجمهورية ومجموعة من الشباب في مدينة الإسماعيلية، كما يوافق الاحتفال مرور 35 عاما على عودة سيناء للسيادة المصرية بموجب اتفاقيات كامب ديفيد وبالتالي رأى صاحب القرار أن من الضروري في هذه الحالة تقصير مدة المهرجان، بما يترتب عنه ذلك من إجراءات عاجلة لتغيير جدول العروض، وبتر أطراف المسابقات الأربع للمهرجان، وتعديل مواعيد رحيل الضيوف القادمين من الخارج أو نقلهم إلى القاهرة ووضعهم في فنادق أخرى وترتيب رحلة سياحية لهم لزيارة الأهرام، ولتذهب السينما إلى الجحيم!

وهكذا تنتصر البيروقراطية العشوائية على السينما وتواصل قتلها بانتظام!

ناقد سينمائي مصري

16