قتل المواهب بدم بارد

الاثنين 2016/08/15

كم يحزنني أن أعود ثانية لأكتب عن مدى الإحباط والتدمير النفسي والمعنوي الذي يعيشه أصحاب المواهب على أرض مصر المحروسة التي احتضنت أهل الفن في العالم العربي وشجعت مواهبهم ومكثوا على أرضها سنوات ذابوا في أبنائها ونيلها وساحوا وسط أرضها، انصهروا في الطين المصري وغاصوا في سمرة الأرض واللون القمحي، وأصبحوا جزءا من مصر حتى أن بعضهم نال الجنسية المصرية، منهم المغربية سميرة سعيد والمخرج الباكستاني الإيطالي محمد خان وغيرهما الكثير، ولكن للأسف ما يحدث في مجال الفن لا ينطبق على بقية المجالات الأخرى.

للأسف يرسخ البعض لفكرة الفشل أو بالأحرى إفشال الناجحين، وهي المحاربة الدؤوبة والمنتظمة حتى يتحول الناجح إلى فاشل من كثرة الضغط النفسي والإنساني الذي يمارس ضده ويتحول بفعل الضغوط إلى محبط جريح يلملم جراحه وينشغل بها طوال الوقت ولا يلتفت إلى تجارب من حوله، وربما يغفل عن مقولة أن النجاح يولد من رحم الفشل، وأن كثرة التجارب حتما تنجب نجاحا “نضج” على مهل، فقد كتبت من قبل بجريدة “العرب” وفي ذات المساحة مقالا بعنوان “المرشح الرئاسي المحبط” عن محاربة الشباب وقتل مواهبهم، واليوم يتجدد الموقف أمام عيني مع المبارز المصري علاءالدين أبوالقاسم الذي مني بخسارة في مباراة، مهما كانت فهي مجرد جولة لا تعني الحياة، ولكن كان موقف الجمهور المصري من مواطنهم عجيبا للغاية، فعلى الرغم من أن علاءالدين أبوالقاسم يعدّ لاعب الشيش الأبرز، وأول عربي وأفريقي يتوج بميدالية في المبارزة بلندن في تاريخ الألعاب، إلا أن مشجعيه ثاروا عليه لمجرد خسارته في أولمبياد ريو 2016.

وقد واجه هجوما حادا من جماهير مصرية بمجرد خسارته، مما دفعه إلى الإعلان عن نيته الاعتزال هربا مما مورس ضده من ضغوط، ويزخر سجل أبوالقاسم بالإنجازات أهمها وأرفعها فضية لندن عام 2012 والتي لم تشفع له كونه رفع اسم بلاده عاليا رغم معاناته المادية وظروفه الأسرية ووفاة والده قبل البطولة في حادث مروع، وبدلا من التفات الشاب إلى تدريباته ومواصلة طريقه ومعالجة نقاط ضعفه واستغلال نقاط قوته، انزلق إلى مستنقع “الثرثرة” والدفاع عن نفسه، وسقط في هوة الحرب الكلامية وعرّى نفسه وأسرته مسترشدا بتفاصيل ما كان يجب أن يكشف عنها، وأمام اتهامات بالفشل نزع ورقة التوت عن عورته وباح بأسرار حياته على الملأ. أثار الرجل قضية هامة وهي عدم تبعيته لناد رياضي ينفق عليه ويهتم بمهاراته الرياضية لكونه ليس لاعب كرة، ولا رعاية أيّ من رجال الأعمال له وكيف أنه يقضم من مصروفات عائلته لمتابعة تدريباته وتحمل نفقات سفره لرفع اسم بلاده عاليا.

ولا يعدّ علاءالدين أبوالقاسم استثناء في محاربة مصريين للموهوبين بل قاعدة باتت من المسلمات للأسف. إن للدعم النفسي قوة السحر فقد ينتشل الضائع من ضياعه ويحول الفشل إلى نجاح وهذا ما يجب على الأسر أن تمد أبناءها به ولا تستهين بما تصفه بمجرد كلمات، ولا تعتبرها “طق حنك” لن تقدم أو تؤخر، فربما غيرت مسار حياة أحدهم. الكلمات هي أغلى ما نملك ومصدر قوتنا ومكمن ضعفنا.

وهذا ما حدث لسارة سمير الرباعة المصرية الفائزة بالميدالية البرونزية وهي أول ميدالية للفراعنة في أولمبياد ريو دي جانيرو في رفع الأثقال، فبالرغم من كونها طالبة بالثانوية العامة (العام الدراسي المفصلي والأهم في مسيرة الطلاب)، إلا أنها لاقت دعما أسريا وصل إلى حد التركيز التام في معسكرات التدريبات، فقد ضحت الفتاة والأسرة بأكملها بالشهادة الثانوية من أجل تحقيق الذات وإثباتها في موهبة رياضية.

كاتبة من مصر

21