قتل عشوائي

الثلاثاء 2017/10/03

“أخبرني الطبيب أن عمر الجنين تجاوز الفترة المسموح بها لإسقاطه، فلم أترك عشبة إلا وشربتها للتخلص منك”، هذه العبارات حفرت عميقا بداخل شقيقتي التي كانت تدّعي المرح وهي تجيب أمي “ومع ذلك قدمت إلى هذه الدنيا والحمد لله دون مخلفات جانبية بالنظر إلى الأصناف والكميات التي شربتها”.

ولا تعدّ شقيقتي حالة استثنائية فأمثالها كثيرون ممن ملوا سماع أمهاتهم يكررون على مسامعهم في غيابهم وحضورهم “فلان لم يكن مبرمجا”، “فلانة لم تكن في الحسبان”، ومع ذلك تشبثوا بالحياة ما استطاعوا لذلك سبيلا.

تعمد الكثير من الأمهات إلى التصريح لأبنائهن بهذه الحقيقة غير مدركات لعواقبها الوخيمة على حالاتهم النفسية، فمن يتقبل بسهولة فكرة أنه جاء إلى الدنيا عنوة وأنه ضيف ثقيل الظل على أقرب الناس إليه في عائلته، وغالبا ما تولدت عند البعض حالة غربة وجودية تكون لبنتها الأولى عدم اعتراف الكون به فيبني على أنقاضها بقية فصول حياته كشخص دون هويّة غير مرغوب فيه، وتعج العيادات النفسية بمثل هذه العينات.

كنت قرأت في بعض الصحف إقرار العديد من الدول لقوانين تجرّم الإجهاض وتمنعه، إذ أنه من بين المسائل المثيرة لجدل كبير في الكثير من البلدان، بوصفه يضع حدا لنمو الجنين قبل اكتماله وينزعه من الرحم، هو باختصار إلقاء الأم لولدها في سلة المهملات، ولكن لا يجب النظر فحسب للنصف الفارغ من الكأس بل يجب النظر إلى النصف الممتلئ فليست كل عملية إجهاض ناجحة ولن أتحدث عمّا يمكن أن تتعرض له الكثيرات من مخاطر ترافق هذه العملية وتؤدي بحياتهن إلى الهلاك، وإنما سأركز على نقطة أهمّ وهي خروج الوليد إلى الحياة معلولا، أجل يخرج معلولا دون أن يرتكب جريرة في حق حياة تلفظه ويتنفس ريحها بقوة وإرادة.

وغالبا ما يحيا مَن ولد مِن رحم مدجج بكل أصناف التدمير والتفتيت من أدوية وأعشاب لأعضائه الهشة وقد طالته شظاياها المدمرة، ولسان حاله يردد بثبات كلمات الشاعر الفلسطيني محمود دروش “سيري يا حياة لكي أراك بكامل النقصان حولي كم نسيتك في خضمك باحثا عني وعنك. وكلما أدركت سرا منك قلت بقسوة: ما أجهلك قل للغياب: نقصتني… وأنا حضرت… لأكملك”. ومن هنا نتبيّن أن المجازفة بإنهاء حياة لم تبدأ بعد قد تجرّ أمراضا نفسية وجسدية تطبع على الأجساد علامة غير صالح للاستهلاك.

وطبعا لا تحدث عمليات الإجهاض من فراغ وإنما لأسباب كثيرة منها ما هو اقتصادي واجتماعي ومنها ما هو أخلاقي ومنها ما هو عائد إلى حالات الاغتصاب، ولكن الطرق المتبعة تبقى في غالبها مضرّة للأم والجنين، حيث قدرت دراسة حديثة أجرتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع معهد غوتماشر ونشرت في مجلة لانست، بمناسبة اليوم العالمي للإجهاض أن عدد حالات الإجهاض غير الآمن في العالم تقدر بحوالي 25 مليون حالة.

تستسهل الكثير من النساء عن جهل بالعواقب ودون مراجعة أهل الاختصاص، شرب الأعشاب والأدوية لتترك في غمرة اليأس يتامى يكابدون حياة دون سند، أو يحتضنّ جسدا مريضا بقلب يكاد ينفطر كمدا.

كان من الممكن فهم أسباب هؤلاء النسوة في غابر الأزمان، حيث تتعذر الرؤية وينقطع التواصل مع العالم الخارجي لعدة اعتبارات، لكن اليوم الأمر يختلف تمام الاختلاف هناك رقمنة عالية الجودة لكل تفاصيل الحياة تشد كل أطراف العالم في حلقة واحدة متينة تعبث بغياهب الجهل وتزرع أنوار الوعي والإرشاد داخل أظلم سراديب العقول، فلا مبرر لقتل عشوائي لكائنات صغيرة تزرع داخل الأرحام دون انتظار.

كاتبة من تونس

21