"قتيلان مروريان".. ومسدس في مسبح

الثلاثاء 2015/08/18

في آخر الأخبار “المرورية” في المناطق التي يسيطر عليها نظام بشار الأسد، قام محسن توفيق الأسد بإيقاف سيارته في منتصف أحد شوارع مدينة جبلة الساحلية دون أن يتجرأ أحد على الاعتراض. ظل الشارع مقفلا لمدة ساعتين ونصف. وعندما استأذن محسن من مضيفه على مائدة الغداء في أحد البيوت، قاد سيارته وعادت الحركة المرورية إلى طبيعتها. قبل ذلك، ليست المصادفة وحدها ما قاد إلى “الجريمتين المروريتين” في لبنان وسوريا.

الجريمة الأولى جرت على طريق مطار بيروت في يوليو الماضي، والثانية على طريق الشاطئ قرب اللاذقية بداية أغسطس الجاري. قُتل شخص في كل من الحادثتين- الجريمتين بعد خلاف على أولوية المرور لسيارتين. القاتلان غير مجهولين، والقتيلان كذلك. والنظامان السوري واللبناني ضالعان في الجريمتين بطريقة مباشرة.

للتذكير بالحادثة الأولى التي قادمتها الأيام، طارد مجرم عريق، مبارك سياسيا، ومن الإقطاع العائلي اللبناني، ضحيته في الشارع. ونقل تسجيل مصور مشاهد الطعنات التي تلقاها جورج الريف من المجرم طارق يتيم (حارس شخصي لرجل أعمال من الإقطاع السياسي اللبناني). توفي جورج في المستشفى متأثرا بجراحه. في الشريط المصور، تلقّى الضحية جورج الطعنات أمام زوجته، ولهذا دلالة سلبية سوسيولوجيا في بيئة عربية إسلامية. والإشارة تستحق أن تُدرس في زمن انقلاب القيم في زمن الشبيحة.

لا يُعرف، بالضبط، إن كان القاتل والضحية في لبنان مصنفيْن على أن أحدهما شبيح والآخر معارض، أو أن كليهما من المعارضين، أو من الشبيحة. التصنيف هنا بالمعنى الذي يفهمه السوريون لـ”التشبيح”، لكن المعنى أصبح متعديا إلى لبنان، بعد زمن عاش فيه الشبيحة السوريون في لبنان، وصدروا قيمهم إلى لبنان المسالم اجتماعيا.

التشبيح هو سياسة، عندما يصبح الشبّيح محميا سياسيا بمخارج قانونية أو عابرة للقانون. في الجانب القريب من سوريا كان القاتل والضحية محسوبيْن على الشبيحة.

القاتل سليمان هلال الأسد، وهو من أبناء عمومة رأس النظام السوري، قتل العقيد في القوى الجوية، حسان الشيخ، أمام أخيه وابنته وابنه، بسبب خلاف على أولوية المرور في طريق الشاطئ في اللاذقية.

القاتل هو ابن هلال الأسد، أحد المالكين الثلاثة الحصريين تاريخيا للقب التشبيح، إلى جانب هارون وفواز الأسد.

ويذكر سوريون كيف استغلت الأجهزة المخابراتية قصة الشبيحة لتعويم شخصية باسل الأسد قبل منتصف تسعينات القرن الماضي.

وقتها، انتشرت شائعات أن باسل الأسد ضرب بيد من حديد على أيدي أعمامه وأبناء عمومته “الشبيحة” لممارساتهم التي “أحرجت الرئيس أمام الشعب السوري”. ولقب الشبيح أتى من استخدام هؤلاء سيارات تحمل اسم الشبح، وكانت ترافق شاحنات تهريب الدخان والأدوات الكهربائية في منتصف ثمانينات القرن الماضي، في طريقها من لبنان إلى الساحل، ومن هناك إلى أنحاء سوريا.

للحادثتين خلفية تاريخية، ولم تكونا معزولتين عن سياق “طبيعي” متصل في البلديْن اللذين يفتقران حقا للقانون. ومن توافرت له فرصة متابعة حساب القاتل السوري سليمان هلال الأسد بعد جريمته، سيتأكد أن كل ما يقال عن محاسبة القاتل سيكون خداعا لأنصار الأسد وشبيحته، وأن القبض على القاتل لن يغير في الأمر شيئا. ويمكن قياس هذه الحادثة بقصة عاطف نجيب (ابن خالة بشار الأسد، ورئيس فرع الأمن السياسي في درعا عام 2011).

يومها، أُقيل نجيب من منصبه ذرا للرماد في العيون، لكنه لم يُحاسب على جرائم القتل التي ارتكبها. أما طارق يتيم، الذي نجا من العقوبة على جرائمه السابقة نتيجة تدخل “معلمه” الإقطاعي رجل الأعمال، فقد يُعاقب هذه المرة، لكن في سجن مرفه على الأغلب.

لا يمكن القول إن الجريمتين غير مسبوقتين، لكن المتابعة الإعلامية لهما، وارتباطهما بالفساد السياسي في البلدين، هو ما جعل الناس يتحدثون عن تفاصيلهما في الأيام الماضية، في انتظار أن تتقادم الجريمتان بفعل جريمة جديدة. في سوريا، هنالك أمل في تجاوز هذا التطاول على الحياة البشرية مادامت الثورة قائمة. مع ملاحظة أن نجاح الثورة لا يعني فقط سقوط النظام القديم، وقيام نظام تفرزه جماهير الثورة، بل ثورة على كل البنى القائمة قبل الثورة.

أما في لبنان، فلابد للقضاء على نسخ “طارق يتيم” من إعادة تمكين القانون ليطال كل المخالفين دون النظر إلى الخلفية السياسية للمخالف.

هذه ثلاثة حوادث مرورية، اثنان منها دمويان، والآخر “زفر”، حصلت كلها في مدة لا تتجاوز 30 يوما. قبل ذلك، يعرف متابعون أن باسل الأسد سجن الفارس عدنان القصار 21 سنة، لأن القصار تفوق عليه في مسابقة قفز الحواجز في بطولة عربية أوائل التسعينات.

روى لي أحد الأصدقاء أن سنان محمد الخولي قتل شابا بمسدسه في مسبح دون معرفة الأسباب. القاتل هو ابن محمد الخولي، أول رئيس للمخابرات الجوية التي أسسها حافظ الأسد بعد انقلاب 1970. بغض النظر عن صحة تفصيل القتل في الرواية، ماذا كان يفعل مسدس سنان في المسبح؟

كاتب وصحفي سوري

9