قحطان المدفعي عراقي موغل في إدراك الحضارات يصنع مقامته الفريدة

السبت 2016/09/17
العمارة خبرة تعبيرية تشيدها المعرفة

تونس - اختار أن يكون معمارياً. اختصاص لم تتوفر دراسته في بغداد أربعينات القرن الماضي، إلا أن والدته تدبرت كلفة التحاقه بجامعة كارديف، في ويلز بإنكلترا، للتحصل على تعليمه المعماري، وبعد بيعها لإحدى دور العائلة في الأعظمية المنطقة التي ولد فيها، لينال ثانية في العام 1984 على شهادة الدكتوراه بالعمارة، من الجامعة ذاتها، وهو بعمر السابعة والخمسين، وبعد 32 عاما من تخرجه فيها.

كان طالبا في الإعدادية المركزية في بغداد، وقتذاك، في منتصف أربعينات القرن الماضي، عائدا بعد تبرعه بالدم في كلية الطب في الباب المعظم، استوقفه فضوله وهو يشاهد شخصا يعتلي سقالة، ويباشر في منحوتة بارزة على جدار مؤسسة حكومية، يستذكر المعماري الرائد قحطان المدفعي تلك اللحظة، ويقول “عندما سألت عن ذلك الشخص عرفت أنه جواد سليم ويقوم بنحت شعار مصلحة نقل الركاب. لقد أدهشتني عملية تزيين العمارة بالزخارف والأشكال وقد أحببت العمارة منذ ذلك الحين”.

يقترن اسم قحطان المدفعي المولود عام 1927 بالعديد من الشواخص والصروح والمشاريع المعمارية في بغداد التي عاد إليها في بداية الخمسينيات من القرن العشرين بعد إنهاء دراسته، ومنذ ذلك التاريخ، سيتم الانتباه إلى طروحات هذا المعماري شديدة الاختلاف، وتصاميمه المتنوعة والاستثنائية، الزاخرة بالدهشة والمتفردة حتى عن معماريي جيله. حقبة شهدت فيها مراحل العمل روحية المنافسة المعمارية بين معمارييها، قحطان عوني، رفعت الجادرجي، مهدي الحسني، هشام منير، ومدحت وسعيد علي مظلوم، ومحمد مكية وآخرون، كانت محاولة شهدها العراق لبلوغ نهضة معمارية، أضافت حداثتها وطليعيتها بعدا جماليا لمدينة بغداد الحديثة، وسيكون للمدفعي دوره المتقدم. يذكر عن تقديره لهذا الدور “العمارة بعد نصف قرن من ممارستي لها انتقلت من ممارسة سلفية عادية مألوفة متوارثة إلى عالم الحياة، بل هي صنوه وتوأمه. فلا إنسان بدون عمارة ولا عمارة بدون إنسان”.

منجزه المعماري، خلاصة تعالق خلاق لفكره الحضاري المتأصل في التاريخ. لشغفه بالفن والشعر، لقراءته الدؤوبة للفكر الفلسفي، لبغداديته وعشقه لأحلام هذه المدينة، لفضوله المتأصل في موضوعات العمارة، واللغة، والفكر والحياة. لترنمه بالمقام العراقي.

هو أيضا صدى لطفولة فنية مميزة، كان خلالها للرسم والموسيقى والأدب حضور ضمن اهتمامات عائلته، يذكر أخوه المعماري هشام المدفع عن تفاصيل حياتهما المبكرة “نشأنا كما نشأ أخي قحطان في بيت يقرأ فيه الشعر في جلسات ليلية ويكون الرسم جزءا من مفاهيمه اليومية وترسم اللوحات الفنية على جدرانه ويعزف فيه على آلة العود من أكثر من فرد من أفراد العائلة، ولذا ترسخّت هذه المفاهيم وتكونت بموجبها شخصيته. نمت هذه الصفات وتجذّرت وانسجمت مع شخصيته وفكره وتكوينه خلال دراسته للفن المعماري”.

كان، كذلك، أحد أعضاء الهيئة التدريسية الأولى المؤسسة لقسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد منتصف خمسينات القرن الماضي مع محمد مكية وهشام منير ومحمد المخزومي وناصر الأسدي.

المدفعي مولع بإضفاء بعد تعبيري على عمارته

هو رسام، أيضا، أقام آخر معرض شخصي له، في بغداد، في العام 2001. وكان قد انضم إلى “جماعة الرواد” حين تأسيسها عام 1950، وحقق ما كان يحلم به مع ابن عمه الفنان الراحل زيد محمد صالح، في إيجاد مكان يضم الفنانين ويكون مقرا لهم.

في العام 1957، خصص ملك العراق، وقتئذ، فيصل الثاني، الذي كان بدوره مولعا بالرسم، قطعة أرض في منطقة المنصور لتكون مقرا لجمعية التشكيليين، وكلف بإعداد تصميمها إلى المدفعي، وتم الانتهاء منها في العام 1967، بمنحة من مؤسسة كولبنكيان.

ما أنجزه كان مدهشا، شاخص معماري حامل لدلالات تعرّف بشخصية المكان، ومفعم بحساسيته البصرية وتمظهره الجمالي القريب للحس النحتي على نحو شديد الخصوصية. جدران تتداخل على سطحها أفاريز صغيرة تنتظم عليها أشكال هندسية كالمثلث والمربع والدائرة، فيما يعلوها تسقيف خرساني تتكرر أشكاله ضمن تماثل إيقاعي ووفق مقاسات مختلفة وأحجام مقطعية متباينة مستفيدا فيها من أشكال الخيمة العربية. مقاربة تصميمية تمنح المكان فرادة تعبيرية لافتة. يذكر الناقد والأكاديمي خالد السلطاني أن عمارة مبنى جمعية التشكيليين العراقي “مازالت تعتبر من الأحداث الهامة في المشهد المعماري المحلي والإقليمي”.

الافتتان بالأصل

لا يؤمن المعماري الرائد قحطان المدفعي بأن بلده العراق يمتلك حضارات عدة تبدأ من السومرية وتنتهي بالحضارة العباسية، بل يعتبر أن هذه التسميات ليست سوى أدوار لحضارة واحدة امتد تاريخها لخمسة آلالاف عام. وحالة تجزئتها إلى تسميات مختلفة، هي ليست سوى وجهة نظر كولونيالية غير سديدة. لذا يتساءل “لماذا قسمت الحضارات السابقة في العراق إلى سومرية وبابلية وآشورية وإسلامية (عباسية)، وكأنها في مناطق مختلفة من العالم؟ أربع حضارات في إقليم واحد بنفس الرقعة الجغرافية ترفد من نفس الأنهار وتستنير من نفس الشمس وطقسها نفسه، فهل هي حضارات منفصلة أم إنها حضارة العراق نفسه بأدوارها السومرية والبابلية والآشورية والإسلامية”. وأضيف إليها الحضارة الأكدية.

لا يقرأ المعماريون وكذلك الفنانون، التاريخ عبر وقائع زمنية مذكورة بالكتب، بل من خلال النظر إلى طرز العمارة والأشكال الفنية الفريدة، ومعاينة التحولات التي تفترضها المخيلة الإنسانية، بأثر الخبرة الداخلية والتاريخ على نماذج كهذه.

إطار مفاهيمي للعمارة العربية
العمارة ليست هي إنتاج المعماري والمهندس المعماري أو المعماري الفرد بل هي ناتج المفهوم المركب من اصطلاح عمراني اجتماعي والذي وضع فحواه أبونصر الفارابي في كتابيه “السياسة المدنية” و”آراء أهل المدينة الفاضلة” واللذين وضعهما في بداية القرن الرابع الهجري ببغداد. وهي كذلك المفهوم العمراني الذي حدده لنا مؤسس علم العمران الاجتماعي والحضري ابن خلدون في تاريخه وخاصة في مقدمته المشهورة.

أما بصدد الفن المعماري العربي التاريخي نفسه فلا ينقصنا برهان ولا شواهد عن الإنجازات في حقل هذا الفن ولا عن الهندسات والتقنيات المختلفة التي استخدمت لإخراج تلك الإنجازات إلى حيز الوجود. فالمكتبة العمرانية والمعمارية العربية وإن لم تكن في الدرجات العليا من الاكتمال غير غنية بما فيه الكفاية للباحث والدارس والمتعمق.

وليس وجود أو عدم وجود المادة التاريخية العمرانية هو موضوع نقاشنا بل موضوعنا هو ماذا نصنع بتلك المادة وكيف نستعملها لأغراضنا المعاصرة وما نأخذ منها وما نحصل وبأيّ من أساليب وطرق الاستعمال، أيّ التفسيرات نأخذ وبأيّ من الفلسفات نلتزم في تعصير تراثنا المعماري والعمراني؟

هناك ثلاث فلسفات للنظر إلى التاريخ المعماري والعمراني من خلالها: النصوصية والتفسيرية والتأويلية. وتختلف هذه الفلسفات الثلاث عن بعضها بالدرجة فقط لا بالنوعية.

تتباين بدرجة الالتزام بالأصل أو النص التاريخي أو الشكل المعماري التاريخي تحت الدرس سواء كان الشكل مدرسة أو خانا أو مسجدا أو قصرا. ودرجة الالتزام بالأصل أو النص تعتمد على عنصرين مهمين: عنصر أهمية التاريخ في مجمل الفكر الفلسفي العمراني وعنصر القرار الذاتي (وقد يكون قرار المجموع أيضا) باستعمال التاريخ لتطعيم الحاضر والاستفادة من المواد التاريخية لإسناد موقف معاصر أو قضية معاصرة أو فكر معاصر.

وفي تطعيم الحاضر بالماضي على حساب تطعيم الحاضر بالحاضر من إعلاء للذات والإشادة بالنفس الفردية أو الجماعية ما يجعل من هذا النمط من التفكير نمطا مرغوبا ومستعملا بكثرة.

قحطان المدفعي

المقامة المعمارية

حينما كلف المدفعي بإنشاء عمارة مبنى وزارة المالية التي أنجز تصميمها في العام 1978، كان نظره شاخصا صوب الزقورة السومرية. بناء يبدأ على شكل طبقات تتدرج من القاعدة إلى القمة، والتي تنطوي على فكرة الانبعاث والازدهار والبلوغ إلى الأعلى.

كان قراره التصميم الجسور، شطر بناءه المتدرج والمؤلف من 14 طابقا إلى برجين اثنين متشابهين، يتصلان بجسور معلقة متباينة الارتفاع. حفل مبناه هذا بحلول تصميمية متميزة، خاصة في معالجة واجهات المبنى الأمامية المتشكلة من سطوح مستوية بفتحات ذات إيقاعية رهيفة تبلغ ارتفاعات كل منها طابقا واحدا، ومنحت للمبنى قدرا لافتا من الحيوية البصرية والحركية لفضاءات مبنى متعدد الطوابق، مبعدا عنه مبدأ الجاهزية والتكرار التي تتصف بها المباني متعددة الطوابق.

كان المدفعي مولعا بإضفاء بعد تعبيري على عمارته، بل يمكن القول إن عمارته هي حوار جمالي شديد الشغف بين الشكل والفضاء والتحولات الزمانية والمكانية التي تحتويهما. هذا المبدأ تعرف على أهميته، عبر حوارات عقدها مع المعماري والتر غروبيوس ( 1883 1969-)، مؤسس مدرسة الباوهاوس في ألمانيا حينما التقاه في الوزيرية ببغداد، في دار المعمارية ألين جودت، إحدى طالباته في جامعة هارفارد.

تنطلق رؤية المعماري قحطان المدفعي من تساؤلات، حاول هو الإجابة عليها بالعديد من دراساته ومنجزه في البناء. هو يفترض أن العمارة معرفة تتأصل عبر التجربة، ليس لجهة الإلمام بتخصصها والدراية بمهنيتها، بل بوصفها تنقيبا عن الأسئلة الأولى.

يدعو إلى العودة إلى أصل الشيء، إلى طبقات المعنى، إلى تلك العلاقة الروحية المتأصلة بالأرض والتاريخ والإنسان، والتي تنتج عبر جدليتها أشكالا ومعاني ودلالات قابلة على التعبير بصياغة مبدعة عمّا هو أنساني ووجداني.

يصف هذا المشروع بـ”المقامة المعمارية”، تلك الأشكال الهندسية الأولية والتي يسميها الهيئات الأساسية الولادة أو “المقامات المعمارية العشر”. يقول عنها “هي ليست أشكالا فعلية واقعية بل هي أشكال فكرية تشابه تلك التي وصفها الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وأصفها أنا المقامات المعمارية. ولكل من هذه المقامات المعمارية أنظمة وقواعد خاصة بها، ومحيطات متميزة تتنافذ مع المقامة المعنية، ولكل من تلك معان وتدليلات ودلائل، كلها تكون اللغة المعمارية التي هي كيان المدن وما نسميه في وقتنا هذا الحياة الحضرية. هذه هي لغة المدن وهذه هي العمارة التي مارستها وأخلصت إليها خلال نصف قرن”.

لذا هو ينظر عبر هذه الرؤية إلى ملوية سامراء، بكونها أسمى العلامات المعمارية العراقية، لجهة فلسفة إنشائها ودورانها غير المتناهي حول المحور، ما يدعوها رمزا عراقيا كبيرا وعظيما في نظره. إن تفرده في منجزه المعماري يأتى من هذه المفارقة وإيمانه بما هو كوني كي يتجسد بأشكال ثلاثية الأبعاد وعبر استخدامات المادة الخراسانية المسلحة.

اختلاف

كان دائم البحث والتفكير عن نمط معماري تكون مرجعياته عراقية بامتياز، شرط توفره على التجديد والجرأة وجماليات الحداثة، وهو يقول عن ذلك “أحاول أن أعطي لكل بناية معيارا اجتماعيا وذوقيا وإنشائيا”. تلك العلاقة التي هي من ستجعل من توجهه المعماري عصيا على التصنيف والنمذجة.

نصف قرن من البناء والتخيل والتفكير بالعمارة، صمم فيه المدفعي دور موظفي مصفى الدورة، وجناح العراق في معرض دمشق الدولي، ومصرف الرهون ببغداد، وحدائق الأوبرا، ومبنى متحف التاريخ الطبيعي، وجامع بنية بالكرخ، ومدينة الألعاب، والكثير من المشاريع الأخرى. له منجزات أيضا في أنواع إبداعية مختلفة، أصدر ديوان شعر وسمه بـ”فلول”، وله أيضا كتاب “فكر أبي نؤاس”.

14