قداسة الوطن أم المذهب

الجمعة 2016/09/23

هل يمكن أن نتصور عراقا آخر تخلو شوارعه ومدنه من تنظيمات وميليشيات إرهابية؟ هل يمكن أن يكون في يوم قريب أو حتى بعيد، بلدا آمنا مطمئنا لأبنائه؟ هل يمكن أن يكـون محكوما بقوانين صارمة تضع الأمور في نصابها الصحيح، فلا تعَدّيَ على حقوق الآخرين، ولا تراجع عن حفظ كرامة الإنسان وآدميته؟ هل يمكن أن نرى عراقا على هذه الصورة بعد أن يتم القضاء على تنظيم الخلافة (داعش) الذي أصبح شماعة تعلق عليها كل الخروقات والتجاوزات التي ترتكب بحق الوطن والمواطن؟

أسئلة تدور في دواخلنا ليل نهار خاصة بعد أن وجدنا تقدّما ملموسا في العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في الفترة الأخيرة، وبسببها انحسرت من تحت أقدامه الأرض التي يسيطر عليها، ولم يتبق سوى محافظة نينوى.

حتى هذه اللحظة تبدو الإجابة على هذه الهواجس/الأسئلة حاملة في داخلها قدرا كبيرا من التشاؤم، طالما لا يوجد في الأفق ما يشير إلى إمكانية أن يختفي التطرف والإرهاب في العراق حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عسكريا وبشكل نهائي.

هذا التشاؤم مَرَدّهُ أن الدولة التي تأسست على أنقاض دولة تم تدميرها بعد إسقاط النظام السابق عام 2003 لم تقدم بديلا أفضل مما كان، بل قدمت نموذجا أسوأ منه بكثير، وفيما لو أجريت مقارنة بينهما ستكون غير منصفة، وسيبدو الأمس أجمل من اليوم.

وبعد الذي شهدناه من مسلسل طافح بصور العنف والقتل والتهجير لسنا بحاجة بعد اليوم إلى أدلة لنثبت صحة ما نقول، فهنالك الكثير من الوقائع أمست وثائق متداولة في سجلات المنظمات والهيئات الدولية، لذا لن تكون إعادة سردها مجدية، وسنكتفي بالإشارة إلى قضية واحدة، لتكون شاهد إثبات على عدم إمكانية أن يكون العراق بلدا خاليا من الإرهاب والتطرف والعنف حتى بعد زوال تنظيم الدولة الإسلامية.

القضيـة ببساطـة وجدنـاها في الاستمـارة الخاصة بوزارة الدفاع العراقية التي تم توزعيها على الطلبة الراغبين في التطوع للكلية العسكرية هذا العام ليتخرجوا منها ضباطا مؤهلين لخدمة بلدهم، فالاستمارة تلزمهم أن يذكروا دينهم ومذهبهم!

وبعد أن تخرج من صدمة هذه الفقرة لا بد أن تتبادر إلى ذهنك مجموعة من الأسئلة: ما علاقة الدين والمذهب بمسألة تتعلق بالمهنية العسكرية؟

وهل سيحسم دين ومذهب الطالب المتقدم قدرته على اكتساب العلوم والمعارف؟ وهل سيحددان استعداده النفسي والأخلاقي إزاء امتثاله للأوامر العسكرية؟

وهل سيكون لهما القول الفصل في تقرير شجاعته على تنفيذ خطط المعارك التي سيخوضها ضد أعداء بلده؟ وهل سيمنحانه فرصة أن يكون بطلا؟ وهل سيكونان معيارا لاختبار مدى إخلاصه لوطنه؟

إن الدولة التي تؤمن بأفكار مريضة على هذا النحو ستفتح أبوابها على مصراعيها ليعبث بها طائفيون ومجرمون، من الممكن أن يحملوا أي صفة إلا أن يكونوا أبطالا، طالما تحركهم مشاعر الكراهية والاستعلاء إزاء شركائهم في الوطن لا لشيء إلاّ لكونهم يختلفون عنهم بالدين والمذهب، وستدفعهم طائفيتهم إلى تخوينهم، لكونهم ليسوا على ملتهم.

ولأنهم سيتخرجون ضباطا وفق الفقرة المثبتة في استمارة وزارة الدفاع العراقية فلن يترددوا في ارتكاب الانتهاكات والجرائم بحق من لا يشبهونهم في الدين والمذهب، وإذا لم يكونـوا على هذه الصورة، ساعتها لن يكونوا مخلصين للقوانين التي سمحت لهم دون غيرهم بالانتساب إلى الكلية العسكرية ومنحتهم هذه الفرصة التي منعتها عـن غيرهم.

ولهذا لا بد لهم أن يكونوا مخلصين وأمناء لهذا القانون الطائفي طالما رفعهم إلى مستوى أعلى من غيرهم، وإلاّ سيكونون خونة في نظر الدولة والنظام.

وزارة الدفاع العراقية بهذه الفقرة لا تصنع رجالا مخلصين للدولة والوطن والمجتمع، بل تصنع كائنات ممسوخة وأمثال هؤلاء سيكونون في مقدمة من يهدم الدولة التي مدت يدها لهم ومنعتها عن غيرهم.

وما أهمية أن يكونوا ضباطا على درجة عالية من الاحتراف، إذا كانت قداسة المذهب لديهم تتقدم على قداسة الوطن؟

كاتب عراقي

9