قدرة الأبناء على إعالة أنفسهم ماديا لا تعني التنكر لآبائهم

مراعاة مفاهيم ثقافة العائلة يسهل على الآباء تقبل فكرة الاستقلالية.
الجمعة 2021/08/06
الاستقلال المادي للأبناء لا يجب أن ينسيهم تضحيات آبائهم

يعد الاستقلال المادي للأبناء اختبارا لقوة علاقتهم مع الآباء، ذلك أن أغلب الأبناء ما إن يحصلوا على وظيفة ودخل مستقر حتى يسارعوا إلى هجر بيت العائلة الموسع، ليستقلو على مستوى السكن ولا يعودون ليطلبوا المشورة من آبائهم مثلما كانوا يفعلون من قبل.

تونس - تتعارض طموحات الأبناء عند استقلالهم ماديا مع طموحات آبائهم، فبقدر ما يسعى الأبناء إلى الاستقلال بذواتهم عندما يصبحون قادرين على إعالة أنفسهم ماديا، فيبتعدون عن بيت العائلة الموسع ويتخذون قراراتهم بأنفسهم، يتسلل الشعور بالسعادة والارتياح إلى قلوب الآباء كلما كبر أبناؤهم وأصبحوا أكثر استقرارا، حتى يكونوا قادرين على مساندتهم في مواجهة ظروف الحياة الصعبة. ومن هذا المنطلق يصبح الاستقلال المادي للأبناء اختبارا لقوة علاقتهم بآبائهم.

ويشير خبراء علم الاجتماع إلى أنه في عصرنا الحالي، عصر العولمة، صار الشخص الناجح هو من يستطيع الاستقلال عن عائلته مبكرا، ليؤسس حياته دون اتكالية على أحد. وفي هذا المنحى العصري لمفهوم الأسرة الناجحة صار الجميع يسمع مصطلح “الأسرة النووية” التي تتكون من أم وأب وأبناء وكفى.

ولاحظ عبدالصمد الديالمي عالم الاجتماع المغربي أن الشبان الذين يقدمون على الانفصال عن العائلة، تدفعهم في غالب الأحيان طموحات وتتمثل أساسا في تكوين شخصيتهم وحياتهم باستقلالية، وبالتالي التخلي عن العائلة التي يتولى عادة الأب تدبير شؤونها.

وقال الديالمي إن ظاهرة الانفصال عن العائلة تتسع في الأحياء الراقية في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء، موضحا أن السبب في الانفصال هو ”الرغبة في الاستقلال بالذات وإحداث طلاق مع العائلة”.

وحسب الديالمي ”هناك آباء تكلفوا ماديا بشراء شقق لأبنائهم قصد العيش بمفردهم”، ويشير عالم الاجتماع المغربي إلى أن الآباء يلعبون دورا في هذه الظاهرة، حيث يؤيدون رأي أبنائهم ورغبتهم في الاستقلال وبناء حياة خاصة بهم.

وقال الأخصائي التربوي الدكتور عايش نوايسة، “إن الأبناء بطبيعتهم يميلون للاستقلال عن الآباء عند بلوغهم سن الرشد، والدخول في مرحلة الشباب، ويعد هذا الميل طبيعيا في ظل الحاجات النمائية والنفسية والاجتماعية للابن”.

موسى مطارنة: استقلال الأبناء ماديا يوجد حتما شعورا بالطمأنينة لدى الآباء
موسى مطارنة: استقلال الأبناء ماديا يوجد حتما شعورا بالطمأنينة لدى الآباء

وأضاف أن هذا الاستقلال يعدّ إيجابيا في ظل توافر الإمكانات المادية للابن، مما يعزز من الثقة بالنفس، ويمنح الابن قوة الشخصية التي تمكّنه من النجاح وتطوير نفسه في ظل إمكانياته. وأكد أنه بمساعدة من أهله الذين يعتبرون وصول الابن إلى هذه المرحلة نقطة تحوّل بالنسبة لهم لأهميتها في تعزيز حياة ابنهم ووصوله إلى حالة الاستقلال الاقتصادي، يخفف عن الأب متطلبات الحياة الاقتصادية.

وأشار إلى أنه لا بد من مراعاة مفاهيم ثقافة العائلة والتربية والاستقلالية، وهي حساسة ومهمة، ولكنها تحتاج إلى مراجعة دائمة لكي توائم ظروف الواقع وتتكيف مع الحاضر الذي يعيشه الإنسان. وليس الإرث القديم الذي ذهب بظروفه ومصاعبه واحتياجاته.

وأكد نوايسة على أن الأطفال والشباب في الماضي كانوا يعملون في الحقل والدكان والمرعى ويساعدون أهلهم، وهذا ما جعلهم مصدر قوة للعائلة. ولكنهم في الوقت الحالي  يمكن أن يكونوا مصدر استنزاف وقلق دائم.

وأكد بحث أن الأبوة والأمومة تجعلان بالفعل الآباء أكثر سعادة بعد استقلال الأبناء بحياتهم، ونقلت نتائج البحث الذي أجرته جامعة هايدلبرج الألمانية، استنادا إلى بيانات استطلاع تضمن سؤال 55 ألف شخص حول سلامتهم النفسية واستقرارهم العاطفي، وخلُص إلى أن السعادة تكون أكثر شيوعا بين من تبلغ أعمارهم 50 عاما فما فوق، ولديهم أبناء مستقلون.

وأشار إلى أن أصحاب هذه الفئة يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، ولديهم استقلال مالي أكبر من نظرائهم ممن ليس لديهم أطفال من الأساس، وأظهر أن السبب الذي يجعل الآباء الذين ما يزالون يعولون الأبناء أقل سعادة بالمقارنة بمن لم تعد لديهم مسؤولية، هو وجود ضغط عليهم في ما يتعلق بفترات النوم والوقت والمال.

ويرى الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، أن سعادة الآباء بأبنائهم، وتحديدا عندما يكبرون ويصبحون أكثر اعتمادا على أنفسهم، هي تعويضهم عن التعب والمعاناة والجهد الذي بذلوه من أجل أن يحصدوا ثمار كل لحظة سهر وخوف وترقب عاشوها.

وأشار إلى أن محاربتهم لكي يكون أبناؤهم في القمة تتطلب منهم أن يحشدوا كل قواهم في سبيل تأمين مستقبل جيد لهم، ولكي يشعروا بأنهم أدوا الأمانة على أكمل وجه محاولين التحرر من فكرة التقصير.

وبيّن أن الحاجة الأبوية للأبناء لا تنتهي عند تخرجهم أو حصولهم على وظيفة جيدة، وتكوين أسرة أخرى، بل تستمر لكونها منبع الحب والحنان والعطاء. لذا فإن استقلال الأبناء ماديا يوجد حتما شعورا عميقا بالطمأنينة لدى الآباء، ويجعلهم أكثر امتنانا لكونهم استطاعوا أن يوصلوا أبناءهم إلى بر الأمان.

وأضاف مطارنة أن الأبناء هم بالطبع السند والأمان لآبائهم، وهم أيضا امتداد لوجودهم في الحياة، لذا فهم بالنسبة لهم أهم استثمار يمكنهم أن يدخروا منه القوة والحب والسعادة.

وأشار خبراء علم الاجتماع إلى ضرورة أن تترجم سعادة الآباء أفعال الأبناء تجاههم، والتي تشمل حتما الاهتمام بهم، وتلبية احتياجاتهم، والخوف على مشاعرهم من أن يصلوا إلى فكرة أنهم مقصرون أو أنهم بحاجة إلى المساعدة بعد أن كانوا الداعمين لهم سواء ماديا أو معنويا.

ويرى الخبراء أن غياب تواصل إيجابي داخل العائلة يساعد في الانفصال عن الأسرة.

ويرى الكاتب الصحفي المغربي محمد الخضيري أن بعض العائلات ترغب في الحفاظ على أبنائها وسط كنفها بالقوة، مما يتسبب في مشكل تواصل داخل الوسط الأسري الذي يدفع بالأبناء إلى الانفصال قسرا عن العائلة. كما يظل هناك دوما خط فاصل دقيق بين طاعة الإنسان لوالديه وبره بهما وبين استقلالية قراراته بناء على قناعته.

21