قدرتنا على الإنتاجية والإبداع يحددها إيقاع ساعتنا البيولوجية

المرأة أكثر من الرجل ميلا إلى الاستيقاظ باكرا للاهتمام بالأبناء والبيت، رغم أنها تعمل ساعات أطول خلال اليوم حتى لو كانت مجرد ربة منزل.
الثلاثاء 2019/06/11
مهمات تقضي على النوم

في أغلب الأحيان، عندما نشرع في العمل، نحاول كتابة شيء ما على الورقة أو على شاشة الكمبيوتر البيضاء، يخامرنا شعور بالفراغ وبأن أفكارنا لا لون لها ولا شكل بل هي صفحة بيضاء مثل وجه شاشة الكمبيوتر التي أمامنا. هذا الشعور المحبط مرده تراخي الهمة وغياب الرغبة في البدء بالعمل أو استئناف عمل كنا قد رسمنا إطاره الخارجي فعلاً في انتظار تدوين التفاصيل، لكن يمضي الوقت فلا نستطيع إنجاز أي شيء مهما حاولنا ومهما كان وقتنا ضيقا ورغبتنا في الإنجاز شديدة.

يصف متخصصون هذا الشعور بالمرعب، إذ أننا في لحظة ما قد نفقد الثقة في أنفسنا وفي قدرتنا على الإنتاجية والإبداع فقط بسبب تكرار هذه الوقفات ضمن إيقاع يومنا.

أما الجواب الأكثر منطقية من وجهة نظر هؤلاء المتخصصين فيقول بأننا ما زلنا بخير وأن قدرتنا على الإنجاز لم تَخْبُ؛ فكل ما هنالك أننا لم نختر التوقيت المناسب، فالأمر يتعلق أكثر بإيقاع الساعة البيولوجية وقدرتنا على التركيز، وأيضا حاجتنا الماسة إلى النوم والراحة.

ويعاني العديد من الناس صعوبة التركيز في العمل خلال الصباح الباكر، ويزداد الأمر صعوبة عندما نعرف أن أغلب ساعات العمل في المؤسسات والشركات العامة والخاصة تبدأ في وقت مبكر، بل إن معظم العمل من المفترض أن يتم إنجازه بين الساعة التاسعة والحادية عشرة صباحا، فيما تتوزع نشاطات أخرى بعد هذا التوقيت وهي النشاطات التي تتعلق بالمتابعة والتفاصيل الأخرى التي تحتاج إلى تركيز أقل.

يؤكد أستاذ علم النفس الحيوي في جامعة ولاية بيميدجي وكلية بيرمنغهام الجنوبية، نايجل باربر، أن الناس مختلفون في طريقة تعاطيهم مع الوقت حيث تقرر هذه الاختلافات وفق الجينات وأيضا إيقاع الساعة البيولوجية لكل شخص، فيصبح معها استيقاظ بعض الناس في وقت متأخر ليس مجرد مسألة كسل. ومن المتعارف عليه أن لفظة “البوم” تطلق مجازا على الأشخاص الذين يميلون إلى السهر في أغلب أيام الأسبوع، وهم يعانون من صعوبة الاستيقاظ صباحا على عكس الأشخاص من نمط “القبّرة”؛ الذين يفضلون النوم باكرا والاستيقاظ بهمة ونشاط وتفاؤل وإقبال على الحياة نسبة إلى هذا الطائر النشيط.

هذا الأمر يتعلق تحديدا بالطريقة التي تعمل بها ساعاتهم البيولوجية، وهي من وجهة نظر متخصصين من يحدد أوقات الاستيقاظ بصورة طوعية؛ أي أن أغلب الأشخاص يستيقظون في أوقات معينة دون منبه، ويتكرر هذا السلوك الحياتي بصورة يومية.

المرأة تستطيع التحكم في أوقات نومها
المرأة تستطيع التحكم في أوقات نومها

ومع التقدم في العمر تظهر هذه الفروق الفردية أنماطا مثيرة للاهتمام حيث يميل كبار السن إلى الاستيقاظ في أوقات مبكرة أكثر صباحا، وقد يساعد هذا الأمر في تفسير سبب هيمنة الأجيال الشابة على الحياة الليلية في المدينة بصرف النظر عن الأسباب الاجتماعية، حيث يفضل الشباب العيش أكثر في إطار الحياة الليلية للبحث عن شريك في الوقت الذي يكون فيه كبار السن قد استقروا مسبقا في حياتهم الزوجية، وهذه واحدة من الأسباب التي تحيّد مفهوم الساعة البيولوجية.

يبدو أيضا أن المرأة في العادة أكثر من الرجل ميلا إلى الاستيقاظ باكرا، ومن الصعب معرفة سبب هذا الاختلاف بين الجنسين، لكن بعض الاحتمالات تبدو معقولة من منظور التكيف؛ أحدها مرتبط بكون المرأة هي الشخص الذي يتعين عليه الاستيقاظ باكرا للعناية بالأطفال، إضافة إلى أن النساء يعملن ساعات أطول خلال اليوم مقارنة بالرجال حتى لو كانت المرأة مجرد ربة منزل وأم، فإن مسؤولياتها التي لا تنتهي تحثها على الاستيقاظ المبكر للحاق بقطار العمل.

الأمر لا يتعلق طبعا بالمجتمعات الحديثة، إذ أن السيدات في الماضي كن يتحملن مسؤوليات جساما سواء اللاتي يشتغلن في المنزل أو اللاتي يعملن في الحقول والمصانع ومحلات الحرف اليدوية.

وهذا يؤكد أن المرأة تستطيع التحكم في أوقات نومها أو هي مجبرة على فعل ذلك. مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من الأشخاص -سواء أكانوا رجالا أم نساء- خلاقون ومبدعون بطبعهم، حتى وهم يقومون بأعمال بسيطة، ولا يعيقهم في ذلك عدد ساعات العمل إذ أنهم محكومون بالظروف التي تؤطر حياتهم وتصبهم في قوالب معينة، بل تفرض عليهم أوقاتا وأماكن محددة لإنجاز أعمالهم مهما بلغت درجة التركيز المطلوبة ومهما كانت صعوبة هذه الأعمال والوقت اللازم لإتمامها خاصة تلك التي تتطلب تركيزا أكبر وتفكيرا عميقا، مثل الأعمال الفنية الإبداعية وتلك التي تتعلق بالإدارة والأموال والحسابات.

ويرى نايجل باربر أن معرفة هذه الأمور ومحاولة السيطرة عليها، يمكن أن تزيدا الإنتاج الإبداعي إلى أقصى حد ممكن. ويورد على ذلك أمثلة من عظماء تباينت لديهم أوقات النوم وطريقة تحكمهم فيها؛ أديسون مثلاً كان ينام ساعات قليلة في الليل لكنه كان يسرق غفوات قصيرة متباعدة أثناء ساعات النهار لتحفيز طاقته على العمل الإبداعي، أما ألبرت إينشتاين فكان يؤمن بأهمية الحصول على ساعات نوم كافية في الليل ولا بأس بغفوة واحدة قصيرة أثناء النهار.

 لهذا يكون من السهل على معظم الناس إدراك أنه في بعض أوقات اليوم تزداد قدرتهم الإنتاجية بشكل أفضل، كما تتوجب عليهم معرفة متى يتعين عليهم الاستمرار أو التوقف والتمتع بقسط من الراحة للعودة إلى العمل بنشاط أكبر.

21