قدر فني

الأربعاء 2017/07/12

في اللحظة التي تحولت فيها الكنيسة إلى ملكوت للمرئي، مع ما استتبع ذلك من استفحال للرمزيات الحسية، استشرت قناعة عامة أنه بغير إدراك السلطة الممنوحة للفن في صلب الكاتدرائيات والكنائس والأديرة المنتشرة في الغرب، يستعصي فهم تحول الفن ذاته إلى عقيدة معاصرة، تطبع الزمن الراهن.

ذلك أن انتشار البصري في المجال الدنيوي، يتجلى، في وجه من وجوهه، بوصفه ملئا للفراغ المرعب الناجم عن الرحيل التدريجي للديني والقدسي من المجال العام، بحيث عوض باقتراحاته وتأويلاته واستبطاناته المتغلغلة في العمق الوجداني غياب الروحانيات.

ومن ثم يمكن تمثّل المتاحف وأروقة الفنون بوصفها “مزارات” للعين والبصيرة، يحج إليها مؤمنون مستحدثون، لطلب البركة، مثلما يحجون إلى الكنائس، التي تحولت في عدد كبير من حواضر أوروبا إلى فضاءات للأثر الجمالي.

لهذا بات يخيل إلي أن توحد الفن والعقيدة في السياق الغربي كان حاسما في الانتقال بالاختراقات الجمالية إلى المجتمع، وإسكانه تفاصيل الحياة وسلوك الناس وعاداتهم، وتوقهم إلى الرفاه، وتجاوز عنف المقدس. بحيث أضحى التعامل اليوم من كاتدرائيات خالدة من قبيل “العائلة المقدسة” في برشلونة و”نوتردام دوباري” في باريس، ودير “لومون سان ميشيل” في النورماندي…، من حيث هي عمارة معجزة بكنهها الإنساني، ومجردة من سطوة الاعتقاد.

ويبدو جديرا بالانتباه أن الفن الإسلامي في مختلف تجلياته ومقاماته، درج في مسارات مفارقة للعتبات الدينية، حيث لم يكن يوما متصلا بالمساجد إلا في حالات نادرة، ومتأخرة نسبيا، بل كان على الدوام مستبعدا ومحظورا. هل يمكن الحديث عن تحصين العقيدة الإسلامية من اختراقات الكاثوليكية؟ ربما، إنما المؤكد عزيزي القارئ أن هذا الحظر فوت على أغلبية فضاءات العبادة الإسلامية فرصة التحول إلى مزارات تهفو إليها الأعين والبصائر الشاردة والضائعة والمنكسرة، للغرباء، واللادينيين، ومؤمني العقائد المختلفة.

والشيء الأكيد أيضا أن تحصينها المسرف من الرفاه الفني حال دون انتقالها لإنتاج الأثر خارج مجال القدسي. فجدير فعلا بالتأمل أن عبقرية العمارة الإسلامية بلغت أوجها في غير مباني العبادة، أستحضر هنا ثلاثة مبان هي الأكثر جذبا للسياح في العالم وهي على التوالي: “تاج محل” في أكرا، و قصر “الحمراء” في غرناطة، و”طوب كابي سراي” في إسطمبول، وهي كلها قصور متصلة بقصص حب مجنونة، وكأنما قدر الفن الإسلامي الذي غيب عن دور العبادة أن يبقى محاصرا من قبل سلطتها، وأن يسترسل، من ثم، في التجلي بما هو زخرف العارض والفاني وبزينة الحياة الدنيا، الزائلة، التي لا أثر لها.

كاتب مغربي

15