قدّاح

الأربعاء 2015/04/15

لا شيء تتحدث عنه أو تجيد الحديث فيه مثل الحنين.. هو موضوعها الأثير والأهم.. مكالماتها الهاتفية.. حواراتها مع صديقاتها.. قراءة طالعها بفنجان قهوة.. أما منشوراتها على “كتاب الوجوه” فمهما تنوّعت وقصرت أو طالت لا تفتأ تندرج إلا تحت بند كلمة واحدة هي الحنين.. أياً ما كان المنشور: أغنية.. بيت شعر.. قصة.. تعليق على حدث تناقلته نشرات الأخبار.. حرب جديدة تطرق الأبواب.. حرب دائرة في مكان ما من العالم.. حدث فني تهتز له الفضائيات.. علاج جديد لمرض قديم.. طريقة عمل أكلة معينة.. كل شيء ينبع من روحها لا يصب إلا في مصب الحنين.. فهي تلف وتدور وتقترب وتنأى ليحيلها الأمر دائما إلى ذلك الوطن البعيد..

ليس افتقاد الوطن-الأرض هو السبب.. فللإنسان منا أن يجد أرضا بديلة دائما.. لكنه جملة الأشياء التي تبدأ وقد لا تنتهي لتفضي إلى افتقاد يبقى يوجع وينزّ دما أو دمعا كلما مسّـهُ عارض يشير إليه.. رغم أن القضية ليست واحدة معنا جميعا بالتأكيد.. فثمة من يوجعه الحنين وثمة من يفرحه وثمة من يداعب حسرته لثوان ليعود لواقعه غير آبه.. ثمة من لا يحس به أصلا ولا يحرك من ساكن لديه.. ولكن ثمة أيضا من يحرمه الحياة الرغيدة مهما كانت زاهية ملونة ملأى أو وارفة.. فنحن لسنا أسنان مشط سواسية.. وإنما أصابع تختلف في كل كفّ.. ولكلا المثلين حجّـته الدامغة فينا..

وبالعود على صديقتي التي لا تكف حنينا.. فقد حدثتني اليوم عن ثلاث وردات لها فينا، نحن العراقيين، وقع الشهقة: “القدّاح” و”الرازقي” و”الشبـّوي”.. قلتُ إنها بغداد الاسترخاء.. لكنني استدركتُ وأنا أتذكر حدائقنا وهي تستلقي وتتشمّس مزدانة بكامل ألوانها وزينتها وعطورها.. حتى حين نرزح نحن تحت وطأة الرعب والقذائف وأصوات الرصاص.. فلم تكن لرائحة البارود أن تعيق العبق عن استرخائه ذات يوم.. بل بقي الربيع ربيعا طوال ألقه غير آبه بخريفنا أو خوفنا وارتجافاتنا!

لك الله يا حنين!.. أي موت أو خراب له أن يمحوك من أرواحنا؟! أي ابتعاد في الكون له أن يمسح عنا بقاياك أو كلك؟! أي عمر له أن يمرّ فيهيل التراب على رفاتك ليدفنها في أرض النسيان إلى الأبد؟! ها أنك تتناسلُ وتستشري طيّ أرواحنا كلما تفاقم الابتعاد والزمن وانهمار الكوارث! أليس ثمة حكمة قديمة تخبرنا أننا لن نحسّ بروعة ما نملك إلا إذا ما فقدناه؟ وحدها هذه الحكمة ربما تفسر أو تقع على جوهر معنى الحنين.

وبما أننا لم نفقد المكان فقط، بل أجزم أن من بقي منا فيه إنما يوجعه الحنين لما كان عليه المكان، فإن الحنين الذي يُـذكيه ويستفزّه فينا العبق أو رائحة الذكريات له أن يكون موتا أو حياة بحسب منطقنا للأشياء وقرارنا الحاسم لما يجب أن تؤول إليه أيامنا..

فيا صديقتي، يا مدمنة الحنين والقدّاح مثلي، إنه مرض لن نشفى منه إذا لم نـُبدعه فنا وأدبا وإنجازا.. ولن نتماثل للحياة إذا عشناه حسرة وتوجعا.. فلمَ لا نحاول معا أن نحتفي به ونرويه لأطفالنا غرسا صالحا علّهم يزدهرون به ويثمرون؟!.. ولو في مكان غير ذاك المكان!

صباحكم رازقي وقِـدّاح وشـبّوي..

21