قد نغفر لجرير والمتنبي وبروست وبالزاك لكن لا مجال للتسامح مع المعاصرين

اليوم بات يفترض أن تكون الآداب منتجة للقيم، مسؤولة عن تبعاتها، وأن تحمل الكتابة والقراءة مسؤوليات جديدة.
الجمعة 2021/06/04
الكاتب وأثره لا فصل بينهما (لوحة للفنان إبراهيم الحسون)

هل الأثر الأدبيّ صورة عن مُنشِئه؟ هل يعبّر الإبداع الفنّي عن أفكار الكاتب وحدها، أم يعبّر أيضًا عن شخصيته المدنية ومواقفه الاجتماعية والسياسية حدّ التّماثل؟ بعبارة أخرى: هل يمكن فصل الأثر عن صاحبه، أم أنّه مستقلّ عنه؟ وهل نحاسب المبدع على نصّه أم على سيرته؟ أسئلة عادة ما تثار حول علاقة الأثر بصاحبه، خصوصا إذا تعلّق الأمر بمن لا يزال يعيش بيننا، أما من رحل فمن النادر أن نؤاخذه على سيرته فلا ننظر إلا إلى ما خطّه.

من المسائل التي أثيرت في الآونة الأخيرة علاقة المبدع بأثره، بعد أن توّج من ثبت تورّطه في قضايا أخلاقية أو عنصرية أو أيديولوجية، فقد تساءل عدد من المعنيين بالشأن الثقافي عموما هل يحق إسناد جائزة نوبل للنمساوي بيتر هندكه وهو الذي ساند ميلوسوفيتش المتّهم بالتصفية العرقية؛ وهل يجوز منح جائزة سيزار السينمائية للبولندي رومان بولانسكي المتهم بالتحرّش الجنسي واغتصاب قاصر؛ وهل يعقل أن تسند جائزة غونكور لميشيل هويلبيك وهو الذي يعلن صراحة عداءة للإسلام والمسلمين؟

وقد انقسمت الآراء بين من يقدّم الموقف الجمالي، الذي يفصل المبدع عن أثره، بدعوى أن تاريخ الفنون والآداب يحفل بعباقرة ذوي سيرة مشبوهة، وأن الأخلاق لا شأن لها بالإبداع؛ وبين من يرفض فصل شخصية المبدع عن أثره، بحجّة أن ما يقدمه يحمل، شئنا أم أبينا، صورة من تركيبته النفسية. وظل السؤال قائما: ألا يكون إسداء الجوائز لمثل هؤلاء تجاوزا عن ذنوبهم؟

الصراع بين مدرستين

لا يمكن للكاتب المعاصر أن يكون بوجهين (لوحة للفنان سليمان الجوني)

الجمعيات النسائية تردّ بالإيجاب وترى في تتويجهم استهانة رمزية بفداحة العنف الذكوري، فهي ترفض الفصل بين الأثر والرجل، وبين المبدع والإنسان تحديدا. وهذا الموقف يؤكد قيمة الحكم الأخلاقي الذي لا يُستثنى منه في نظرها المبدعون والمثقفون، وإن اعترض عليه بعضهم لكونه سوف يفتح الباب أمام مصادرة الأفكار وتحجيم حرية التعبير، ولو
بمفعول رجعي أحيانا كما يحدث الآن في أميركا مع “ثقافة الإلغاء” التي تدعو إلى مصادرة آثار ماضية انطلاقا من حساسية أخلاقية وسياسية راهنة.

أما من يردّون بالنفي فيعتقدون أن الأثر ينبغي أن يُنظر إليه في ذاته، ويقيَّم من داخله، لا على ضوء أفعال صاحبه، فهم يَفصلون بين الأثر والمبدع، وبين أخلاق الأثر وأخلاق منشئه، ويدافعون عن استقلالية العمل الفني باسم حرية الإبداع.

كما يَفصل هؤلاء الفنّ عن العدالة، مؤكدين على ضرورة أن يكون الحكم الفني مستقلا عن الحكم القضائي أو الاجتماعي، وهو ما أطلقت عليه عالمة الاجتماع جيزيل سابيرو “الموقف الاستيتيقي”.

والغاية في رأيهم هي حماية الحرية الفكرية والجمالية من أي سلطة من خارج الحقل الثقافي، سياسيّة كانت أم دينيّة أم اجتماعيّة، أي أنهم يرفضون كل اعتراض أخلاقي أو سياسي باسم قدسية الفن، غير أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام النفوذ، شأن الكاتب غابريال ماتزنيف الذي تطفح كتاباته بتمجيد اغتصاب القاصرين دون أن يجد من النقاد غير الثناء على أسلوبه الأدبي ولغته المنمقّة وعنايته بالتفاصيل، ما فجّر مؤخرا فضيحة شملت الكاتب ونقاده ودار النشر التي تروّج لمثل تلك الجرائم الأخلاقية، خاصة بعد صدور كتاب لإحدى ضحاياه.

والرأي السّائد منذ قرنين تقريبا أن الكاتب قد يكون شخصية من شخصيات الكوميديا الاجتماعية، لامعا أو ضامرا، امتثاليّا أو متمرّدا، ثوريّا أو رجعيّا، مندفعا أو منطويا، مفرطا في كل شيء حدّ الجنون أو حييّا خجولا.. وأن كلّ تلك السمات التي تشكل شخصيته هي من طبيعة علم النفس وعلم الاجتماع، أو من وحي الطرائف والإشاعات وأحاديث المجالس، ولا قيمة لها في الحكم على الأثر الأدبيّ. فوليم بوروز كان مدمنا على المخدّرات، ومالكوم لوري كان مدمنا على الكحول شأن موباسّان، وبلزاك كان مقامرا مثقلا بالديون، وبروست كان مثليّا، وأندري مالرو كان يتاجر بالتحف المهرّبة.

النقاد الذين استعانوا بتلك الخصوصيات البيوغرافية لإضاءة آثار أصحابها، لم يضيفوا إليها شيئا، لكون الأثر نتاج مبدع، وليس شخصية اجتماعية. وقد لخّص بول فاليري ذلك في قوله “كلّ شيء يتمّ في الركن الحميم للفنان، وكأن الأحداث الملحوظة في حياته ليس لها سوى أثر طفيف على عمله، فالخَلق لديه مستقلّ عن المغامرات ونمط العيش والعثرات التي يمكن أن تتصدر سيرة ذاتية”.

الالتزام بالقيم

كلّ السمات التي تشكل شخصية الكاتب هي من طبيعة علم النفس وعلم الاجتماع
كلّ السمات التي تشكل شخصية الكاتب هي من طبيعة علم النفس وعلم الاجتماع

منذ ذلك التاريخ، شهد الأدب انتهاك العلاقة الجمالية الكلاسيكية القائمة على الجميل والخيّر والحقيقي، وخلق إيتيقا تفصل بين الفن والأخلاق باسم قيمتين، الجميل والحقيقي اللذين كسبا استقلالا ذاتيا عبر تطور الجمالية والعلم، وكان الصراع بين مدرستين، تدعو إحداهما إلى توخّي الأسلوب الجميل أيّا ما يكن الموضوع المتناوَل، وتصرّ الأخرى على التقنيات السردية الواقعية.

وقد نهض بهذا الانتهاك تياران كبيران هما الرومنسية والواقعية. وضع الأول إرهاصات نظرية الفن للفن التي ستفصل الجميل عن المفيد، فيما ميّز الثاني الحقيقي من “الجميل الأمثل”، الذي يفترض أن له تأثيرا أخلاقيا حسب المدرسة الكلاسيكية، مع ظهور محاولات للتوفيق بين التيارين كما فعل فلوبير. ما فتح فضاء جديدا لعلاقات بين الإيتيقي والإستيتيقي، وأسئلة تخص العلاقة بين الأثر والواقع، وبين السارد والشخصيات، أو حيادية الملاحظة، واتخاذ وجهات نظر فضلا عن اللغة التي بدأت تنهل مفرداتها من المعجم العلمي والخطاب اليومي الشعبي. وقد ظل التياران يؤكدان على جعل الجميل والحقيقي قيمة عليا، مع الالتزام بأخلاق بديلة، فردية كانت أم جماعية.

لسنا هنا في معرض التذكير بالمعارك التي نشبت بين أنصار الاتجاه الأول ودعاة الحداثة، وإنما لنبيّن أن الموقف الذي يُثار عليه اليوم هو الذي ظل سائدا منذ تلك الفترة. وقد استغله بعضهم لنشر القيم الأصيلة، فيما توسل به الآخرون للتعبير عن كلّ ما يعنّ في البال، ولو كان مناهضا للأخلاق والآداب العامة، وكل إناء بما فيه يرشح.

لقد فصلت الحداثة بين الخيّر والجميل منذ القرن التاسع عشر، وقامت على اعتبار العمل الفني غير خاضع لمعايير المجتمع الأخلاقية، ولكنها تعيش اليوم تحولا إيتيقيا حيث بات يفترض أن تكون الآداب منتجة للقيم، مسؤولة عن تبعاتها، وأن تحمل الكتابة والقراءة مسؤوليات جديدة، حيث وضع مبدأ استقلالية الأثر موضع مساءلة، فلم يعد المبدع محميّا بالتمييز البروستي بين الشخصية الاجتماعية والكاتب، بل صار خاضعا لبراديغم جديد، قابلا للمحاسبة وحتى المحاكمة.

الآراء منقسمة بين من يقدّم الموقف الجمالي، الذي يفصل المبدع عن أثره وبين من يرفض فصل شخصية المبدع عن أثره

قد نتسامح مع جرير في فخره بأب بخيل بلغ به شحّه أنه كان يمتص ضرع العنزة خفية كي لا يسمع صوت امتصاصه أحد فيطمع في لبنها؛ وقد نغفر للمتنبيّ عنصريته السافرة في هجاء كافور؛ فتلك من آداب الماضي، ولكننا لا يمكن بحال أن نغفر لكاتب معاصر يقول الشيء ويأتي نقيضه، يدافع عن المرأة في كتاباته ويسلك سلوك سي السيّد في بيته، ولا من يشنّف الأسماع بقصائد ومسرحيات تدين السلطة ثم يقبل منها عطايا سنية، أو من يقدّم دروسا في الالتزام بمبادئ الحق والعدل والإخاء، ويهين في الحياة العامة من هم دونه مرتبة.

يقول أينشتاين “لا تحاول أن تكون رجلا ناجحا، بل حاول أن تكون رجلا ذا قيمة”، ولا تكون القيمة في نظرنا إلا متى كان الكاتب ملتزما بالقيم السامية في حياته كما في نصّه.

15