قذائف أر.بي.جي في أعراس بنغازي وغموض حول المنفذين

قذيفة طائشة من حفل زفاف تودي بحياة نجم الكوميديا هيثم درباش.
الخميس 2021/07/22
ظاهرة إطلاق النار والقذائف في الأفراح تتفاقم

بنغازي (ليبيا) - لقي نجم الكوميديا الليبي الشهير هيثم درباش مصرعه متأثرا بجروح أصيب بها، بعد سقوط قذيفة أر.بي.جي منفلتة عليه عندما كان واقفا مع شقيقه أمام أحد المصارف التجارية بمنطقة الليثي بمدينة بنغازي شرقي البلاد، وسط غموض متواصل بشأن المنفذين.

وقالت مصادر أمنية إن قذيفة الأر.بي.جي تم إطلاقها عشوائيا من قبل مشاركين في حفل زفاف في منطقة مجاورة .

وأعلن وكيل وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية للشؤون الفنية فرج إقعيم في بلاغ أن أعضاء مكتب التحريات العامة بمديرية أمن بنغازي تمكنوا بعد الرصد وتدقيق المعلومات من التوصل إلى مكان اختباء مرتكبي الجريمة ليتم إلقاء القبض على صاحب حفل الزفاف ومطلق قذيفة أر.بي.جي، مشيرا إلى أن القانون يضمن حقوق أهالي الجناة بالقضاء العادل والقصاص قانوناً من كُل من تُسول له نفسه المساس بأمن المواطن.

وأقرت النيابة العامة، سجن المتهم في الواقعة احتياطيا على ذمة القضية، بينما لازالت التحقيقات حول الواقعة جارية في جونب أخرى، وقالت إن “إجراءات التحقيق المجراة بمعرفة نيابة الفويهات الجزئية – بعد الانتهاء من معاينة محل الواقعة والكشف الظاهري على جثمان المتوفى – أسفرت عمّا يؤكد أن وفاة المجني عليه كانت نتيجة فعل اقترفه أحد الأشخاص بإطلاقه قذيفة انفجرت إثر سقوطها في حي مأهول بالسكان حيث تسببت الشظايا المنطلقة إثر الانفجار في قتل المواطن هيثم درباش وإلحاق أذى شخصي بعدد من المواطنين”.

محمد قشوط: متى تتوقف هذه المهزلة ويتم إيقاف المستهترين بأرواح الأبرياء

ووفق البيان، “تم القبض على مرتكب الفعل، وباشرت النيابة العامة إجراء استجوابه، وانتهت إلى اتهامه بواقعة القتل وأمرت بسجنه سجنا احتياطيًّا على ذمة القضية، بينما لازالت التحقيقات حول الواقعة جارية في جوانب أخرى، وهي محل متابعة من قبل مكتب النائب العام حتى إنجازها”.

وبحسب أراء المراقبين، طرحت الحادثة من جديد قضية إطلاق النار العشوائي في الأفراح والمناسبات الخاصة ولاسيما حفلات الزفاف، وهي ظاهرة لا تزال تتنامى رغم القرارات الصادرة عن الجهات الرسمية بمنعها وملاحقة الواقفين وراءها.

ولفت البلاغ الأمني إلى “أن المتهمين تمت إحالتهم للنيابة العامة لمحاسبتهم وفق اللوائح والقوانين المعمول بها في الدولة فضلا عن عدم عرض أسمائهم حفاظا على سلامة أسرهم والعرف والنسيج الاجتماعي” ، مكتفيا بنشر صور خلفية للمتورطين في الحادثة حتى لا تظهر ملاحمهم للعامة. 

وهيثم درباش من مواليد 1980، وهو ابن عائلة فنية، فوالده هو الفنان والمخرج بريك درباش، الذي سبق أن شاركه عدة أعمال فنية على خشبة المسرح.

واشتهر درباش بالأعمال الكوميدية سواء للمسرح أو التلفزيون وقدم العشرات من الأعمال المسرحية من بينها “رايح في رايح” و”الجوهرة المفقودة”، و”امنع الكلام”، و”فرقة أنغام عبدالمولى”، و “افرح بي” و”المخرج الفاشل”، وآخرها “الرجل الصفر” وهي من تأليفه وإخراجه، فضلًا عن مشاركته في مسلسلات تلفزيونية من بينها “اعطيني عقلك” و”أمسك وأطلق” و”ضحك عشوائي” و”خيطي ميطي” ، وآخرها مسلسل “ناشيونال جيوغرافيك بالليبي” مع المخرج محمد البرعصي، والذي عُرض في شهر رمضان الماضي.

وكشفت الحادثة حسب المراقبين، عن حجم الانفلات الذي لا يزال قائما في ليبيا، رغم الحديث عن عودة الأمن والاستقرار، وتشديد الجيش قبضته على الحياة العامة في المنطقة الشرقية، ومشاركة وحداته في دعم الوحدات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية.

واعتبر هؤلاء أنه لولا نشر شريط فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي تظهر هوية مطلق قذيفة الأر.بي.جي، لكانت الجريمة قد قيدت ضد مجهول، كما يحدث عادة في مجتمع تسيطر عليه النعرات القبلية والتوازنات الاجتماعية والمناطقية.

وطالبت منظمة رصد الجرائم الليبية، السلطات بفتح تحقيق في حادثة مقتل درباش ومحاسبة الجناة، ودعت وزارة الداخلية إلى العمل على الحد من ظاهرة انتشار الأسلحة ومنع استعمالها داخل المدن.

 وتساءل المحلل السياسي محمد قشوط في تغريدة على “تويتر” “‏متى تتوقف هذه المهزلة ويتم إيقاف المستهترين بأرواح الأبرياء عند حدهم والقضاء على ظاهرة إطلاق النار والقذائف في الأفراح وإنهاء أي غطاء قبلي يحميهم ويوفر لهم الملاذ”؟

وقالت وزارة الداخلية، “إنها ستعمل على القضاء على هذه الآفة في المجتمع وستحاسب كل مسؤول عنها بالقضاء العادل والقصاص قانوناً حمايةً لأرواح المواطنين”، غير أن هذه البيانات لم تعد قادرة على مواجهة الظاهرة التي تتزامن مع احتفالات الزفاف والنجاح الدراسي وغيرها.

ويعد إطلاق النار عشوائيا في الحفلات والأعراس ظاهرة مرتبطة بتقاليد منتشرة في عدد من المجتمعات العربية ومنها المجتمع الليبي ولاسيما في البيئة البدوية، كما هو الشأن في الأردن والعراق وفلسطين ولبنان واليمن والسعودية والبادية السورية وصعيد مصر.

هيثم درباش كوميدي البي لقي مصرعه متأثرا بجروح أصيب بها بعد سقوط قذيفة أر.بي.جي منفلتة عليه بمنطقة الليثي بمدينة بنغازي

وقالت عضو هيئة التدريس بكلية القانون جامعة بنغازي الدكتورة جازية شعيتير في دراسة لها، إن إطلاق العيارات النارية في المناسبات الاجتماعية في ليبيا “ظاهرة قديمة بقدم معرفة مجتمعنا بالبندقية؛ لعلها من عهد المقاومة الشعبية للطليان، لكنها زادت بعد 2011 عندما طبقت مقولة الشعب المسلح عملياً، بعد تمكن الشعب من الحصول على أسلحة خفيفة ومتوسطة من وراء كل معركة حربية تخلف غنائم منقولة يسهل اقتناؤها، وإخفاؤها عن أعين القائمين على إنفاذ القانون؛ إما لبيعها بعد ذلك، أو لاستخدامها شخصياً”.

وأضافت شعيتير “لعل مما يجانب الصواب التركيز في بيان خطورة هذه الظاهرة على ما تمثله من تهديد للأفراد الآمنين؛ فهي تهدد أمن المجتمع بالقدر ذاته، لأنها تهدد السكينة العامة بضرر بالغ بإدخال الرهبة في قلوب كل المحيط المجتمعي، وقد تهدد الأمن الوطني للدولة، وفي ما يتعلق بأمن الأفراد نلاحظ طفو الاستشهاد بأخطارها على حياة الإنسان؛ بينما يمتد النطاق النوعي للحقوق المعتدى عليها بالتهديد إلى الحق في السلامة الجسدية وفي السلامة النفسية، فهذا الإطلاق للأعيرة النارية يهدد بالهلع والخوف، خاصة في المناطق الخارجة من النزاعات المسلحة ومن محاربة الإرهاب”.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن الوضع يتفاقم نحو الأسوأ، فقد تزايد عدد الضحايا بشكل متسارع، حيث قد يصاب طفل يمرح أمام منزل أسرته، أو شاب يعمل في محل تجارة، أو سيدة تعبر الشارع نحو بيت جارتها، وكل هذا حدث بالفعل، إذ يتساقط الليبيون بين قتيل ومصاب بالرصاص العشوائي والطائش من الأسلحة الخفيفة والمنفلتة المنطلقة من أيادي عابثين عادة ما باتوا يحوّلون الأفراح إلى مآتم، أو يفرحون هم ويبثون الحزن في بيوت الآخرين.

وتعتبر مدينة بنغازي من أكثر مدن ليبيا معاناة بسبب إطلاق النار العشوائي في الأفراح ما يتسبب في مقتل وإصابة العشرات سنويا، لكن الإفلات من العقاب بسبب نفوذ المتورطين وتأثير قادة القبائل التي ينتمون إليها في لعبة التوازنات الاجتماعية والسياسية، وضعف الدولة وعجزها عن التصدي للظاهرة كعجزها عن جمع السلاح المنتشر بين أيدي من لا يمكن ائتمانهم عليه، يساهم في تفاقم الظاهرة ويشل أيادي السلطات عن القيام بدورها في مواجهة القتل المجاني.

4