قذائف داعش الإعلامية خطر يواجه أوروبا

أثارت حادثة مانشستر، التي وقعت الاثنين الماضي وراح ضحيتها 22 شخصا، جدلا واسعا حول خطاب داعش الإعلامي المنتشر عبر الإنترنت. ويحذر مراقبون من تغيّر استراتيجية داعش الإعلامية إلى رسائل انتقامية ضد الغرب وبالأخص أوروبا بعد أن تسبب دعمها اللوجيستي للقوات العراقية والسورية في تقلص مساحة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم.
السبت 2017/05/27
اختراق

لندن - أعادت حادثة مانشستر، التي راح ضحيتها 22 شخصا، طرح التساؤلات حول استهداف التنظيمات الإرهابية لأوروبا بتوجيه ضرباتها بشكل فعال ومتنوع بين العديد من الدول في القارة، وسط احتفالات أعضاء ومؤيدي تنظيم داعش على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن تحولت خطاباتهم الإعلامية إلى دعوات انتقامية من الأوروبيين.

ولا يجد أعضاء داعش أي حرج في التعبير عن آرائهم السياسية المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي خلف حسابات تحمل أسماء وصورا مزيّفة، يعلنون فيها عن “حربهم المقدسة” و”خلافتهم المزعومة” التي لن تقوم إلا على أنقاض الحضارة الغربية “الصليبية”، بحسب وصفهم.

ويربط متابعون لمواقع وحسابات المتطرفين على مواقع التواصل الاجتماعي بين ارتفاع وتيرة الأعمال الإرهابية في أوروبا والخسائر الميدانية التي يتلقاها التنظيم مؤخرا في مدينة الموصل العراقية وبين حصار القوات المدعومة بغطاء جوي أميركي لمدينة الرقة، مركز داعش الرئيسي في سوريا.

وبحسب دراسات أكاديمية، وصل عدد الضحايا جراء الهجمات الإرهابية في أوروبا بين عامي 2015 و2016 إلى 273 شخصا، وهو ما يساوي عدد ضحايا الأعمال الإرهابية في أوروبا مجتمعة منذ منتصف القرن العشرين وحتى إعلان داعش الخلافة في عام 2014.

وتحمل خطابات داعش، المنشورة على ألسنة مريديها على مواقع تلغرام وتويتر، توجها عنيفا تجاه أوروبا بالتحديد، إذ يحمّل مدونون متطرفون الدول الأوروبية الخسائر الذي يتكبدها التنظيم في سوريا والعراق بسبب الحصار والدعم اللوجيستي الذي تقدمه دول مثل فرنسا وبريطانيا.

ويقول خبراء إن خطاب داعش الإعلامي شهد تطورا في حديثه عن الغرب وأوروبا، حيث اتسم بلهجة أكثر حدة بعد أن توسّعت أذرع داعش الإعلامية في إرسال مواد مختلفة باللغة الإنكليزية والفرنسية والألمانية.

وغيّر داعش مطلع عام 2016 اسم مجلته الرسمية من “دابق” إلى “رومية” نسبة إلى العاصمة الإيطالية روما ومقر الفاتيكان، رمز المسيحية الكاثوليكية.

أوروبا تأتي قبل الولايات المتحدة وروسيا والمسلمين الشيعة في درجة الكراهية والعداء لدى تنظيم داعش المتطرف

وأرجع خبراء تغيير اسم المجلة إلى فقدان داعش سيطرته على مدينة دابق في أكتوبر الماضي. وتعود تسمية دابق إلى ذكر اسم المدينة في أحاديث نبوية تنبّأت بأن تكون المدينة موقع المعركة المنتظرة بين المسلمين والمسيحيين. واستخدم داعش هذا التنبّؤ كجزء من فلسفة تكوينه وأيديولوجيته السياسية من أجل إضفاء المزيد من الشرعية الدينية وإطلاق حملات أوسع لجذب الشباب إلى صفوفه.

وسادت حالة من الاحتفالات من قبل أعضاء التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي فور أن أعلن داعش مسؤوليته عن الحادث الذي وقع في مدينة مانشستر الاثنين الماضي وراح ضحيته 22 شخصا بعد أن فجر شخص يدعى سلمان العبيدي نفسه خارج حفل موسيقي.

وتنوعت التدوينات الداعشية بين الإشادة بـ”العمل البطولي” ودحر لأمة “الكفار”، فيما ردد آخرون هتافات معتادة أبرزها “نحن نحب الموت مثلما تحبون أنتم الحياة”. وأعاد متطرفون نشر صور لضحايا حادث مانشستر وأخبار من صحف بريطانية بزعم وجود حالة ذعر وفوضى بين صفوف البريطانيين.

وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوسلو النرويجية توماس إيغرمار إلى “أهمية مواقع التواصل الاجتماعي التي أحدثت طفرة في إعلام الإرهابيين بعد أن جعلت التواصل والتنسيق أكثر سهولة وسرعة وصعّبت من مهمة أجهزة الاستخبارات في مراقبة حساباتهم”. وأضاف أن “استخدام الإرهابيين لم يتوقف فقط على استخدام الإنترنت من أجل تنسيق العمليات وتجنيد الآخرين، ولكنه وصل إلى درجة تبادل معلومات تكتيكية قبل وأثناء الهجمات الإرهابية”.

وكانت التحقيقات البريطانية قد كشفت عن استخدام خالد مسعود، الذي قتل أربعة أشخاص دهسا بسيارة بالقرب من مجلس العموم البريطاني في لندن في أبريل الماضي للواتساب قبل دقائق من بدء هجومه.

ونشر مدونون مؤيدون للتنظيم صورا للرئيس الأميركي دونالد ترامب بصحبة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أثناء زيارته للرياض الأسبوع الماضي وتعهداته بدحر الإرهاب، لافتين إلى أن هجوم مانشستر الأخير هو إنذار لترامب. وحذر المدونون من أن الضربة القادمة ستكون في “عقر دار الأميركان”.

وتداول مؤيدو داعش مقطعا مصورا أظهر شابا ملثّما يحمل علم التنظيم يمر بين الحدود السويدية والدنماركية دون أن يوقفه أحد، في رسالة بأن الهجمات الإرهابية مستمرة ومتنقلة ولا يمكن إيقافها.

ومنذ أن أعلن زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي الخلافة في عام 2014، تمددت أذرع داعش الإعلامية بسرعة فأنشأ التنظيم ذراعه الإعلامية “مركز حياة”، الذي تخصص في توزيع رسائل داعش بمحتوى احترافي من الدرجة الأولى، وبعدة لغات أبرزها العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والهولندية والروسية والأوردية والتركية.

داعش يعتمد على منهجية الإغراق المعلوماتي، إذ يستخدم المدونون تطبيقات إلكترونية متطورة لحشد جماهير الإنترنت، مستندا في ذلك إلى خبراء متخصصين في وسائل التواصل

ويبني التنظيم قاعدته الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي. ويقع تويتر على رأس المواقع الأكثر استخداما من قبل الإرهابيين. ورصد مراقبون في الآونة الأخيرة هجرة للمئات من النشطاء المتطرفين من تويتر إلى موقع تلغرام هربا من عمليات إغلاق وحجب الحسابات المتطرفة على تويتر.

وتهاجم حكومات أوروبية الشبكات الاجتماعي بصورة مستمرة، متهمة إياها بالتقاعس في دحر تحركات الإرهابيين على الإنترنت والسماح لهم بتنسيق عمليات وتجنيد العشرات لارتكاب جرائم في المستقبل.

ويرى مراقبون أن تنظيم داعش نجح في تكريس شعاراته من أجل إظهار نفسه كقوة ميدانية منظّمة على الأرض وليس مجرد جماعة جهادية مسلحة، ولكن تلك اللغة اختفت تقريبا في المواد الإعلامية المنتشرة على الإنترنت بعد تقلص مساحة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، ليحل محلها خطاب جهادي يشجّع على الهجمات الانتقامية في أوروبا.

وكشف الباحث يعقوب خان، الذي أجرى عددا من الحوارات مع متطرفين عائدين إلى أوروبا انضموا إلى داعش في سوريا، أن “التنظيم يزرع أفكارا لدى جنوده القادمين من أوروبا تقوم على أن عزة الإسلام لن تعود إلا مع اندثار الحضارة الغربية”. ويقول خان إن “التنظيم يرى أوروبا العدو الأقرب والأخطر وأن عداءه تاريخي لم يتوقف منذ الحملات الصليبية في القرون الوسطى”، مضيفا أن “أوروبا تأتي قبل الولايات المتحدة وروسيا والمسلمين الشيعة في درجة الكراهية”.

ويعتمد التنظيم على منهجية الإغراق المعلوماتي، إذ يستخدم المدونون تطبيقات إلكترونية متطورة وهاشتاغات لحشد جماهير الإنترنت، مستندا في ذلك إلى خبراء متخصصين في وسائل التواصل.

وتنشر قنوات على الإنترنت تابعة لتنظيم الدولة أبرزها “إصدارات” و”أجناد الأرض” تقارير ومقاطع مصورة إرشادية لاستخدام السكاكين وصناعة القنابل.

ويقول باحث فرنسي متخصص في شؤون الإرهاب أوليفر روي إن “نسخة الإسلام التي يفرضها داعش في أحاديثه المنشورة والتي تتمحور في مجملها حول البطولة والعنف بصيغة معاصرة لا تتضمن شكل ‘المجتمع الإسلامي’ الذي سيُبنى تحت مظلة تنظيم الدولة الإسلامية”.

وأضاف روي أن “قرارات التنظيم براغماتية تستخدم الجهاد وإعلان الولاء حسب الموقف والمضمون”، مشيرا إلى أن “هذا ما يفسر ازدياد الأعمال الإرهابية في أوروبا وتراجع أحاديث دولة الخلافة بعد أن أصبح التنظيم في طريقه لخسارة تواجده الميداني في العراق وقريبا في سوريا”.

18