قراءات استعادية في الخطاب النقدي عند طه حسين وأدونيس وإدوارد سعيد

الناقد العراقي حاتم الصكر يثير في كتابه الجديد العديد من القضايا ذات الشجون لصلتها بالمستقبل وليس فقط لحضورها في الذاكرة العربية ومعارك القرن الماضي.
السبت 2019/02/16
مقاربات جديدة في مفاهيم الحداثة استنادا لأدوارد سعيد وأدونيس

إن تفكيك مفهوم الحداثة يحتاج إلى رؤية شاملة ومتحركة حركة هذا المفهوم الذي لا يمثل معطى ثابتا، بل منه تتولد العديد من المفاهيم الأخرى، وهذا ما تصدى له الباحث والناقد العراقي حاتم الصكر في كتابه الجديد الذي يقارب من خلاله أهم الرموز الأدبية والفكرية العربية.

احتفت القاهرة بإصدار جديد للناقد العراقي حاتم الصكر هو “نقد الحداثة: قراءات استعادية في الخطاب النقدي وتنويعاته المعاصرة”، حيث قدمت الإصدار مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، التي عقدت ندوة تدشين الكتاب في مقرها بوسط القاهرة. وأثار الكتاب العديد من القضايا ذات الشجون لصلتها بالمستقبل وليس فقط لحضورها في الذاكرة العربية ومعارك القرن الماضي.

تقييم الحداثة

استعاد الصكر في كتابه العديد من اللحظات والمعارك المؤسسة أو على الأقل المحفورة في الذاكرة العربية ووعيها، وطرح عدة إشكاليات في الوقت نفسه، منها علاقة لحظة الحداثة العربية بمثيلتها الغربية في ظل تجليات ما بعد الحداثة في أوروبا وأزمة البحث عن نموذج جديد، يتجاوز خطاب الحداثة وما بعدها معا في قرن جديد تلونه الصين بطلائها على مهل وتنتقل فيه عدوى الثورات العربية إلى الجانب الآخر من المتوسط، كان سؤال المستقبل حاضرا بشدة في الندوة ومن خلال محطات الكتاب وعلاقتها بالآني والمستقبلي في واقع الثقافة العربية.

تتبع المدونات النقدية التي روجت للحداثة
تتبع المدونات النقدية التي روجت للحداثة

المقاربة الأساسية في كتاب الصكر لتلك اللحظات المحفورة والمؤسسة في ذاكرة الحداثة العربية، تقوم على منهج خاص به أسماه “القراءة الاستعادية” أو محاولة عمل تقييم جديد لتلك المعارك والكتابات العربية شكلا ومضمونا، فكرته لاستعادة تلك الكتابات ومقاربتها على مستوى المضمون تقوم على معيار سياق النص ودوافع إنتاجه وتشكيله وهل كانت في حالة اتساق وتوحد مع ظرفها أم ماذا؟

أما مقاربته على مستوى الشكل والأسلوب فتقوم على معيار الأثر أو نتيجة توظيف مجموعة من الآليات الجمالية أو الفنية على المتلقي وصداه في محيطه الاجتماعي أو سياقه أيضا، فيبدو أن الصكر يؤكد على فكرة السياق ودوافع إنتاج النص بالنسبة للكاتب ويؤكد كذلك على السياق وأثر النص عند المتلقي أيضا.

على مستوى التطبيق توقف الصكر عند مجموعة من أهم محطات الحداثة العربية ومحكاتها، منها طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي”، وأدونيس في “الثابت والمتحول”، وإدوارد سعيد في “الاستشراق”، والمعركة بين جابر عصفور وعبدالعزيز حمودة في المرايا، وغيرهم ممن حفر في الذاكرة.

ثلاثة رموز

عند تطبيق منهجه الاستعادي في معركة طه حسين وكتابه في الشعر الجاهلي، ولكي يرصد مؤثرات ودوافع إنتاج مضمون النص أو الكتاب قال إن طه حسين تأثر في منهجه داخل الكتاب بعاملين، الأول هو ابن خلدون ورفضه لفكرة التأريخ والتدوين القائم على السرد أو الرصد دون حضور للتمحيص والرأي والمراجعة، والثاني هو ديكارت
وتأثر طه حسين بفكرة الشك كآلية أساسية للوصول إلى الحقيقة واليقين، ونقد الصكر تحول الشك من آلية إلى غاية بدرجة ما عند طه حسين.

وفي تناول الصكر لكتاب الثابت والمتحول لأدونيس يزداد وضوح منهجه الاستعادي القائم على رصد مسببات إنتاج النص ودوافعه من ناحية وعلى تلقيه واستجابته لهذا التلقي من ناحية أخرى، فيقول إن الفكرة المؤسسة لأطروحة أدونيس عن الاتباع أو الإبداع، أو الثابت والمتحول، هى وصوله أو اتكاؤه على أن الذات العربية القديمة تؤمن بفكرة النموذج الطارد لما عداه، وهذا النموذج المطلق في الحالة العربية هو الأصل القديم الثابت المُتبع، وأصبح المطرود والمرفوض هو كل جديد ومستحدث وطارئ، وقال إن أدونيس وصل إلى فكرته المؤسسة عبر عرض بانورامي للثقافة العربية في تمثلاتها السياسية والدينية والفلسفية والأدبية وحتى الثورية.

عند تطبيق فكرة التلقي والاستعادة في حالة كتاب الثابت والمتحول يرصد الصكر سلسلة محاضرات لأدونيس بمكتبة الإسكندرية 2006 حول فرضية إعادة كتابة كتابه الثابت والمتحول، حيث تحدث أدونيس عن السياق الاستقطابي الشديد الذي ظهر فيه الكتاب بين دعاة التجديد العرب ودعاة استمرار القديم، وأثر ذلك على الأحكام (النيات) المسبقة التي استقبل بها الكتاب، ثم رصد الصكر ما قاله أدونيس عن أثر ذلك التلقي عليه في حالة كتابة الكتاب مرة أخرى، بأن قال أدونيس إنه سيحتفظ بمصطلح الثابت والمتحول في إشارة لاستبعاد ما أثاره التلقي في حينه، وهو العنوان التفسيري “بحث في الاتباع والإبداع عند العرب” الذي اصطدم بحالة الاستقطاب وسياقها القائم بالفعل.

الحداثة لها ما قبلها وما بعدها (لوحة للفنان ضياء العزاوي)
الحداثة لها ما قبلها وما بعدها (لوحة للفنان ضياء العزاوي)

أما النموذج الثالث من داخل كتاب نقد الحداثة لحاتم الصكر فهو إدوارد سعيد في كتابه الشهير الاستشراق، وفي منهجه الاستعادي وبحثا عن المكونات والدوافع التي أنتجت الكتاب عند إدوارد سعيد يستعرض الصكر عدة عوامل محتملة ومتجاورة تم رصدها، منها كشف إدوارد عن الحقيقة المعرفية للاستشراق ودوره ربما باعتبار إدوارد سعيد مُطلعا ومنتميا إلى الذات العربية والأميركية في الوقت ذاته، فامتلك الوعي بالذات والوعي بالآخر من داخل بنيته ذاتها، وكشف الصكر عن أهم أبنية إدوارد سعيد الغربية التي وظفها لفهم الاستشراق وتفكيكه، وهو اعتبار الاستشراق حسب مفهوم فوكو الذي تبناه إدوارد خطابا ذا سلطة، ينتج صورة نمطية ويؤكد عليها.

وعند إعمال فكرة الاستعادة والتلقي وأثر النص أو كتاب سعيد في محيطه وسياقه، سنجد أن الصكر يقاربها من زاوية مغايرة عند سعيد، لأن سعيد نجح في تقديم نموذج مغاير للحداثة يختلف عن طه حسين وعن أدونيس، هي حداثة قائمة على الوعي بالذات والتأكيد عليها من خلال خطاب ومنهج تفكيكي للحالة المعرفية للاستشراق بأكمله في الغرب.

يبقى القول إن اعمال منهج القراءة الاستعادية ذاته على كتاب حاتم الصكر عن الحداثة في سياقها العربي، به الكثير من المسكوت عنه الذي يحتاج إلى جهود ودراسات عربية، فهل الحداثة لحظة مفصلية ثابتة يمكن استنساخها وإعادة إنتاجها في أي مكان وزمان، أم أن لكل سياق لحظة مفصلية خاصة يمكن أن تنتج
حداثة خاصة به؟ وأين هي اللحظات المفصلية العربية التي يمكن الاتكاء عليها لمحاولة الخروج من استقطاب القرن الماضي بين دعاة الحداثة في سياقها المستجلب، ودعاة الاتكاء على الموروث في شكله الجامد؟

14